على مدار عامين، عاش الائتلاف الحكومي الإسرائيلي على وقع "أجهزة الإنعاش" السياسية؛ أزمات متلاحقة، تهديدات بالاستقالة، ومناورات لا تنتهي. لكن، وفي صباح يوم أربعاء عادي، بدا أن الستار قد بدأ يسدل فعلياً على هذه الحقبة. لم يأتِ النبأ من منصة الكنيست ، بل من الحبر الذي خُطت به مانشيتات الصحف الدينية، معلنةً نهاية "زواج المصلحة" الذي ربط اليمين بالحريديم لعقود.بحسب يديعوت أحرونوت
بكلمات حادة لا تقبل التأويل، أطلق الحاخام "دوف لاندو"، الزعيم الروحي للتيار الليتواني، رصاصة الرحمة على الثقة المهتزة أصلاً برئيس الوزراء. "ليس لدينا ثقة به، ولم نعد شركاءه"، كانت هذه العبارة التي تصدرت غلاف "ياتيد نعمان" كافية لزلزلة أركان "الليكود". لم يكن هذا مجرد غضب عابر، بل كان إعلاناً صريحاً بأن "الكتلة اليمينية الصلبة" قد تشققت، وأن التوجه لصناديق الاقتراع بات مسألة أسابيع لا أكثر.
لم تكن الأزمة وليدة اليوم؛ فالحكاية بدأت منذ يونيو الماضي، حين كانت إسرائيل تتأهب لضربة عسكرية ضد إيران. في تلك الليالي المشحونة، كان الحريديم يلوحون بورقة حل الكنيست احتجاجاً على المماطلة في "قانون الإعفاء من التجنيد". حينها، وفي مفاوضات ليلية ماراثونية بمكتب "يولي إدلشتاين"، تم شراء الوقت باتفاقات هشة.
ثم جاءت العملية العسكرية ضد إيران لتفرض صمتاً مؤقتاً، لكنه كان "هدوء ما قبل العاصفة". وبمجرد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد الحريديم للمطالبة بـ "الثمن"، وحين لم يجدوا استجابة، بدأوا بفرض عقوباتهم؛ قاطعوا التصويت، واستقال وزراؤهم احتجاجاً على اعتقال طلاب المدارس الدينية، في استقالات وصفت بأنها "نصف رحيل"، حيث بقي الموظفون يديرون المكاتب عن بُعد، وبقي "موشيه غافني" ممسكاً بمطرقة اللجنة المالية، محاولاً الحفاظ على ما تبقى من نفوذ.
في مارس 2026، بدا أن الائتلاف قد اجتاز الاختبار الأصعب بإقرار الميزانية. ادعى "غافني" حينها أنها "ميزانية حرب" لذر الرماد في العيون، لكن الحقيقة كانت تكمن في التفاصيل الصغيرة. فخلف الكواليس، نجح الثنائي "غافني ودرعي" في انتزاع صفقة ذهبية: 800 مليون شيكل تسللت إلى ميزانيات التعليم الديني وجمعيات الرعاية، بعيداً عن صخب النبض الوطنرضة. ولم يتوقف الأمر عند المال، بل امتد لـ "غزو" ديني للبلديات العلمانية؛ بتعيين حاخامات مدن موالين لـ "شاس" في نبض الوطنقل مثل تل أبيب ورامات هشارون.
رغم المكاسب، اصطدم طموح الحريديم بحائط "المستشارين القانونيين" الذين طالبوا بعقوبات صارمة على المتهربين من التجنيد. وعندما نقل مكتب نتنياهو رسالته الأخيرة بأن "الأغلبية البرلمانية للقانون مستحيلة"، قرر الحاخامات الانكفاء.
اليوم، يلوح في الأفق مشهد سياسي مرتبك؛ "شاس" تلتزم الصمت وتراقب، والتيار الحريدي منقسم بين متشدد ومتردد، بينما يقف الحاخام لاندو في طليعة الداعين لهدم المعبد فوق الجميع. يبدو أن الحريديم، الذين حصلوا على "أقصى الممكن" من الميزانية والتعيينات، قرروا أن القفز من سفينة نتنياهو الآن هو أفضل وسيلة للحفاظ على ما تبقى من "عالم التوراة" قبل أن تغرق السفينة تماماً في بحر الانتخابات المقبلة.