لم يكن زكي المقيد يتوقع أن يتحول ألم أحد أسنانه إلى نبض الوطنناة تمتد لأيام، فالعلاج الذي كان متاحًا بتكلفة معقولة قبل الحرب، بات اليوم مرهقًا ماديًا، فيما أصبحت المواد اللازمة لعلاج العصب نادرة الوجود.
وبين البحث عن طبيب قادر على توفير العلاج، والخشية من ارتفاع التكلفة، يختصر المقيد واقع آلاف المرضى في قطاع غزة ، حيث لم يعد ألم الأسنان مشكلة صحية عابرة، بل أزمة تتفاقم مع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
بينما يحاول إزالة شيء عالق بين أسنانه، يقول زكي المقيد إن المواد المستخدمة في علاج وحشو قنوات العصب أصبحت شحيحة وباهظة الثمن، في وقت لا تتوفر فيه بدائل حقيقية داخل القطاع.
ويوضح أن تكلفة علاج العصب كانت تتراوح قبل الحرب بين 80 و120 شيكلًا، لكنها ارتفعت اليوم إلى نحو 250 شيكلًا، فيما تضاعفت أسعار تركيبات البورسلان عدة مرات.
ويضيف: الحصول على العلاج أصبح مرتبطًا بتوفر المواد، التي قد تكون موجودة اليوم بأسعار مرتفعة، ثم تختفي من الأنبض الوطنق في اليوم التالي.
أما أم ربيع قويدر، فلم تفارقها نبض الوطنناة أسنانها منذ أكثر من عامين، إذ تحتاج إلى زراعة عدد من الأسنان، إلا أن هذه الخدمة باتت شبه متوقفة بسبب القيود المفروضة على إدخال مستلزماتها.
وتقول إنها راجعت العديد من العيادات، وأكد لها الأطباء ضرورة إجراء زراعة الأسنان، لكن ارتفاع التكلفة والظروف المعيشية الصعبة دفعاها إلى تأجيل العلاج وتحمل الألم.
وتشير إلى أنها لجأت لاستخدام المسكنات فقط طوال العامين الماضيين، في انتظار حل يخلصها من مشكلتها، مبينة أن كل زيارة لطبيب الأسنان تحتاج ما يزيد عن ٢٠٠ شيكل، وهو أمر يؤرقها ويزيد الأعباء التي تقع على عاتقها.
وتؤكد طبيبة الأسنان سحر بلبل أن الحرب فرضت واقعًا جديدًا على قطاع طب الأسنان، بعدما ارتفعت أسعار المواد الخام والمستلزمات الطبية بصورة غير مسبوقة، إلى جانب زيادة تكاليف التشغيل الناتجة عن أزمة الكهرباء والمحروقات.
وتوضح أن أسعار حقن التخدير الموضعي ارتفعت خلال فترات إغلاق النبض الوطنبر بنسبة وصلت إلى 1000%، فيما زادت أسعار مواد الحشوات السنية بين 200 و400%، إضافة إلى ارتفاع أسعار القفازات الطبية والكمامات ومواد التعقيم وأدوات علاج العصب.
وتشير إلى أن إغلاق معبري رفح وكرم أبو سالم والقيود المفروضة على إدخال المستلزمات الطبية فاقما الأزمة، في وقت باتت فيه العيادات تعتمد على المولدات الكهربائية والطاقة الشمسية لتشغيل الأجهزة الأساسية، ما ضاعف تكاليف العمل.
كما تعرضت عشرات العيادات للتدمير، واضطر عدد من الأطباء إلى العمل في عيادات مؤقتة أو مراكز ميدانية تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات.
من جهته، يؤكد طبيب الأسنان مصلح الدربي أن مواد تجفيف وحشو قنوات العصب أصبحت من أكثر المستلزمات ندرة، ولا تتوفر لها بدائل مناسبة، ما ينعكس مباشرة على الخدمات المقدمة للمرضى.
ويقول إن تأمين المواد الطبية تحول إلى تحدٍ يومي، إذ قد تتوفر بعض المستلزمات بأسعار مرتفعة، ثم تختفي بالكامل خلال وقت قصير، ما يضطر الأطباء إلى تأجيل بعض العلاجات أو الاكتفاء بحلول مؤقتة.
ومع تراجع القدرة الشرائية للسكان، أصبح كثير من المرضى يلجأون إلى المسكنات أو يؤجلون زيارة طبيب الأسنان، فيما يختار آخرون خلع الأسنان باعتباره الحل الأقل تكلفة.
وتشير بيانات وزارة الصحة إلى خروج نحو ثلثي مستشفيات قطاع غزة عن الخدمة خلال الحرب، الأمر الذي انعكس على مختلف الخدمات الصحية، بما فيها خدمات طب الأسنان.
كما ساهم سوء التغذية، وانعدام النظافة، وظروف النزوح في ارتفاع معدلات تسوس الأسنان والتهابات اللثة والخراجات، ما ينذر بتفاقم الأوضاع الصحية في ظل استمرار نقص الإمكانات.
في غزة، لم يعد وجع الأسنان مجرد مشكلة صحية يمكن تأجيلها، بل بات عبئًا إضافيًا يثقل حياة المواطنين الذين يواجهون أزمات متلاحقة.
وبين نقص الأدوية وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، يتحول العلاج شيئًا فشيئًا إلى رفاهية لا يملكها كثيرون، فيما يظل الألم حاضرًا في أفواه المرضى وحياتهم اليومية.