لا يتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، في إطلاق التهديدات ضد الفلسطينيين والعرب عمومًا، بعد أن ارتكبت إسرائيل بقيادته إبادة جماعية في غزة وتدميرًا هائلًا فيها، وكذلك في لبنان، وبعد حرب على إيران يُجمع العالم على أنها غير شرعية، خاصة وأنه مطلوب للعدالة الدولية بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرات اعتقال دولية بحقه في أعقاب حرب الإبادة.

نتنياهو في وضع سيئ عالميًا، ولكن وضعه سيئ محليًا بالأساس، خاصة في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي أوقفت الحرب على الأخيرة، من دون أن يحقق فيها نتنياهو أيًّا من أهدافه. فالنظام الإيراني لم يسقط؛ والمذكرة أبقت البرنامج النووي في وضعه الراهن إلى حين الاتفاق النهائي؛ كما أن مذكرة التفاهم لم تذكر مسألة الصواريخ البالستية، فيما أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن من حق إيران تطويرها وإنتاجها للدفاع عن نفسها.

وفوق هذا كله، يبدو أن نتنياهو فشل في تحقيق تعهده بـ"كسر المحور الإيراني" من خلال وقف العلاقة بين إيران ومنظمات مسلحة في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، الذي تطلق عليه إسرائيل تسمية "فصل الساحات"، إذ إن مذكرة التفاهم رسخت "وحدة الساحات" بعد إصرار إيران على وقف إطلاق النار في لبنان، ووضعت نبض الوطندلة جديدة تتمثل بإطلاق صواريخ على إسرائيل إذا هاجمت الضاحية الجنوبية لبيروت، وإذا استمرت عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.

في هذه الأثناء، تراجعت شدة الهجمات الإسرائيلية في لبنان، لكن ليس متوقعًا، كالعادة، أن تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار، خاصة وأنه فُرض عليها من خلال مذكرة التفاهم، وستحاول إبقاء الساحة اللبنانية كجمرة من أجل إعادة إشعال الحرب في لبنان، ومع إيران إذا استطاعت ذلك.

إلا أن الوضع الحالي في جنوب لبنان ينطوي على مخاطر بالنسبة للقوات الإسرائيلية هناك أيضًا، وهذا ما يحذر منه الجيش الإسرائيلي. وهذه القوات في حالة توحل، لا تتقدم ولا تتراجع، والجيش يقول إنها في مرمى نيران حزب الله، وهو لا يستبعد أن تصدر أوامر، على إثر ضغوط أميركية، تطالبه بالانسحاب بشكل سريع، مثلما حدث في العام 2000.

وسبق تصريح وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أول من أمس، بأن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان حتى لو طالبت الولايات المتحدة بذلك، وأن النازحين اللبنانيين لن يعودوا إلى بيوتهم في الجنوب، تقريرٌ نشرته صحيفة "هآرتس"، وصف فيه ضباط إسرائيليون أقوال كاتس ونتنياهو حول استمرار الحرب في لبنان وأنها لن تتوقف بأنها تصريحات "جوفاء"، وحذروا من خطورة التوحل على حياة الجنود.

وضع نتنياهو داخل إسرائيل سيئ، بل إن وضعه من سيئ إلى أسوأ. ليس فقط أنه فشل حتى الآن في نزع سلاح حماس ، وفشل في نزع سلاح حزب الله، إلى جانب فشله الذريع في إيران، لأن حروبه لم تحقق نتائج إستراتيجية لصالح إسرائيل، وإنما عدد الجنود القتلى والجرحى مرتفع جدًا بمقاييس إسرائيلية، وهذا يشكل أكبر خطر عليه من الناحية السياسية، وهذا الوضع بدأ يظهر في الاستطلاعات مؤخرًا.

لقد أصبح هناك مرشح آخر يتفوق على نتنياهو، هو غادي آيزنكوت، الذي تظهر الاستطلاعات أن حزبه سيحصل في انتخابات الكنيست على عدد مقاعد مساوٍ لعدد المقاعد التي سيحصل عليها حزب الليكود بزعامة نتنياهو، كما أن آيزنكوت يتفوق على نتنياهو من حيث ملاءمته لتولي منصب رئيس الحكومة، وهذا إلى جانب "حركات" تمرد داخل الليكود ضد زعامة نتنياهو، الذي يتصرف داخل حزبه كديكتاتور، ويقرر من سيرشح عن الحزب في انتخابات الكنيست، ويضم إلى قائمة مرشحي الحزب أكثر الأشخاص الموالين له.

أحد أكثر هؤلاء الموالين لنتنياهو، الذين يريد إدخالهم إلى قائمة مرشحي الليكود لانتخابات الكنيست القريبة، هو رئيس مركز الحكم المحلي، حاييم بيباس، ولذلك ليس صدفة أن يختار نتنياهو مؤتمر مركز الحكم المحلي لإلقاء خطابه، أول من أمس، وقد كان هذا خطابًا انتخابيًا بامتياز، وموجهًا إلى الإسرائيليين بالأساس، وإلى اليمين الإسرائيلي بشكل خاص.

قال نتنياهو في خطابه إنه "تعين علينا أن نغير المفاهيم الأمنية وكل توجهنا نحو الأمن، وهكذا فعلنا. والأمر الأهم الذي نفذناه في هذه الحرب هو أنه في اليوم الثاني للحرب قلت إننا سنغير وجه الشرق الأوسط، ونحن نقوم بتغييره، وقد غيرناه وسنغيره أكثر".

وأضاف أنه "نسيطر اليوم على حوالي 70% من قطاع غزة ونخنق حماس، رغم أنها لا تزال موجودة"، وبحسبه فإنه "كان بحوزة حزب الله 150 ألف قذيفة صاروخية وصاروخ، وتبقى لديهم اليوم 8% منها. ويوجد اليوم هناك (في جنوب لبنان) حزام أمني لا يسمح لحزب الله وما تبقى منه بالتوغل إلى الجليل، ونحن ندمر أنفاقهم كلها، وقد شاهدت ذلك، ويصعب تصديق أن هذا ما حدث. وبعد ذلك استمرينا إلى سورية، وأنقذنا إخواننا الدروز، وسنحافظ على إخواننا الدروز ولن نتخلى عنهم"، أي إن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها في جنوب سورية بعد سقوط بشار الأسد.

وتباهى نتنياهو أكثر بحروبه، وقال إنه "بعد ذلك نفذنا ما لم يصدق أحد أننا سنفعله، ونفذ الموساد عمليات متنوعة في إيران، لكن قالوا إنه 'يحظر عليك أن تنفذ عملية عسكرية في إيران، وألا تصفي القيادة الإيرانية'، لكني لم أستمع لهم وقدت 'الأسد الصاعد' (الحرب في حزيران/يونيو الماضي)، واخترت هذه التسمية لأن لدينا شعبًا من الأسود وجيشًا من الأسود".

وتابع أنه في الحرب الأخيرة على إيران "لم أطلب الإذن (من ترامب)، وإنما أبلغته بكل بساطة بخطتنا، ولسعادتي هو انضم إلينا". وفيما تُوجه انتقادات لنتنياهو بأنه حول إسرائيل إلى دولة تابعة لأميركا لأن ترامب يقرر وقف الحرب، ادعى أن "توجد حالات يتعين عليك أن تقول فيها للرئيس الأميركي أيضًا على ماذا نصرّ".

وقال نتنياهو، في رسالته المركزية لناخبيه حول استمرار الحرب، إن "هناك المزيد من العمل الذي يجب تنفيذه، هناك المزيد من العمل في غزة، وفي لبنان أيضًا وكذلك ضد إيران. وطالما أنا رئيس حكومة، لن يكون سلاح نووي بحوزة إيران. وطالما أنا رئيس حكومة، سنحافظ على الحزام الأمني في جنوب لبنان"، أي إن إسرائيل لن تنسحب منه.

عندما يتحدث نتنياهو عن "الأمن"، فإنه يقصد الحروب العدوانية، ويتعمد الحديث عن أن وجود إسرائيل في خطر، وخاصة بعد 7 أكتوبر، رغم أن هذا الخطر غير موجود، لكنه يفعل ذلك في محاولة للتغطية على إخفاقه في 7 أكتوبر وفشل إسرائيل في منع هجوم "طوفان الأقصى"، الذي لم يكن يشكل خطرًا حقيقيًا على وجود إسرائيل.

بهذا الخصوص، يرى إسرائيليون كثيرون جدًا أن وجود إسرائيل بشكلها الحالي في خطر فعلًا، وذلك بسبب سياسة نتنياهو وحكومته المتطرفة، الرافضة لأي تسوية مع الفلسطينيين، و"الانفصال" عنهم، وبتحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، وألا تبقى دولة ذات أغلبية يهودية.

ويبدو حاليًا أن إسرائيل لن تتمكن من توسيع ما يسمى بـ"اتفاقيات أبراهام" وإبرام اتفاقيات تطبيع علاقات مع دول عربية أخرى، وخاصة السعودية، وذلك بسبب حروبها المستمرة منذ حوالي ثلاث سنوات، لكن نتنياهو زعم في خطابه أنه، في موازاة استمرار الحروب، "بالإمكان أيضًا تحقيق أمور كبيرة في الحقل السياسي، وخصوصًا بسبب القوة التي مارسناها".

الحقيقة هي أن إسرائيل تواجه خطرين بسبب سياسة نتنياهو. هكذا يرى إسرائيليون كثيرون جدًا نتائج سياسة نتنياهو. الخطر الأول هو أن تفقد الأغلبية اليهودية وتتحول إلى دولة ثنائية القومية مع نظام تفرقة عنصرية بحق الفلسطينيين، وما سيترتب عن ذلك من حيث العقوبات الدولية وعلاقاتها مع العالم، وتطويرها للأسلحة الفتاكة لن يشفع لها.

الخطر الثاني هو الشرخ الآخذ بالاتساع في المجتمع الإسرائيلي، ويتشعب إلى قسمين. القسم الأول يتعلق بخطة "الإصلاح القضائي"، التي تسعى حكومة نتنياهو الحالية من خلالها إلى إضعاف جهاز القضاء، وتُعد بالنسبة إلى نصف أو أكثرية الجمهور الإسرائيلي أنها تقضي على "النظام الديمقراطي الإسرائيلي".

وقد امتنعت إسرائيل منذ تأسيسها عن وضع دستور للدولة، على عكس الغالبية العظمى من الدول في العالم، وخاصة تلك التي توصف بأنها جزء من العالم الغربي، ولذلك تعتبر المحكمة العليا الإسرائيلية أنها تحل مكان الدستور، لأنها تضبط مسألة سن القوانين، وخاصة قوانين الأساس التي توصف بأنها "قوانين دستورية"، وإلغاء قوانين لا تتلاءم مع "القوانين الدستورية" حتى بعد سنها في الكنيست، كما أن المحكمة العليا تنظر في مظالم بحق فئات في المجتمع أو مواطنين بصفتها "محكمة العدل العليا".

حكومة نتنياهو تسعى إلى إلغاء هذا الوضع. وقد دخلت في خلاف شديد مع المحكمة العليا، حتى إن وزير القضاء، ياريف ليفين، يعلن أنه لا يعترف بانتخاب القاضي يتسحاق عَميت رئيسًا للمحكمة العليا. ومنذ بدء محاكمة نتنياهو، المتهم بارتكاب مخالفات جنائية، دخلت الحكومة في خلاف مع الجهاز القضائي كله، وبضمنه النيابة العامة ورئيستها، المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، التي تتركز مهمتها في تقديم الاستشارة القانونية للحكومة وما يمكن تنفيذه أو لا يمكن.

حكومة نتنياهو ترفض الانصياع لمشورة المستشارة القضائية بشكل مطلق تقريبًا، وترفض أيضًا الانصياع وتطبيق قرارات تصدرها المحكمة العليا، وأبرز هذه القرارات التي صدرت مؤخرًا تتعلق بتجنيد الحريديين وإنفاذ القانون بحق الحريديين الذين يتهربون من التجنيد، إثر محاولة الحكومة، من دون نجاح حتى الآن، سن قانون إعفاء الحريديين من الخدمة العسكرية.

في ظل حروب إسرائيل المتواصلة، يطالب جيشها بزيادة عدد جنوده، ووفقًا لقرار المحكمة العليا يتعين على الشرطة العسكرية والشرطة اعتقال الحريديين الذين يتهربون من الخدمة، في المقابل ينظم الحريديون مظاهرات كبيرة ويشلون الحركة في الشوارع الرئيسية، ويؤكد زعماؤهم رفض الخدمة العسكرية.

في ظل النبض الوطنرضة الواسعة جدًا بين الإسرائيليين، وبضمنها أغلبية بين ناخبي الليكود، وتهديدها بعدم التصويت لهذا الحزب، لإعفاء الحريديين من التجنيد، تهدد حركة الاحتجاج ضد حكومة نتنياهو بالنزول إلى الشوارع وإغلاق مفارق الطرق عند المدن الحريدية، وأعلنت أن "الإغلاق سيقابل بالإغلاق"، وفق ما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس.

إذا تحقق هذا التصعيد، فإن إسرائيل قد تشهد مواجهات بين فئتين من مواطنيها، وإذا كانت واسعة، فإنه سيصعب على الشرطة احتواؤها أيضًا، رغم أنه ليس متوقعًا أن تتجاوز الأمور ذلك، لكن يتوقع أن ترتفع أعداد الإسرائيليين الذين سيرغبون بالهجرة، وربما برفض الخدمة العسكرية.