في خضم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من انهيار واسع في الأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية، برز القطاع المصرفي الفلسطيني كأحد أهم أدوات الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وفي مقدمته بنك فلسطين، أكبر بنك فلسطيني من حيث حجم الودائع والتسهيلات الائتمانية والأوسع انتشاراً.

ورغم الانتقادات التي تطال البنك بين الحين والآخر، فإن قراءة أكثر عمقاً لدوره خلال السنوات الأخيرة، وخاصة خلال فترة الحرب على غزة، تظهر أن المؤسسة المصرفية الأكبر في فلسطين لم تكن مجرد بنك تجاري يسعى لتحقيق الأرباح، بل لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية والمالية في الأراضي الفلسطينية.

يعد بنك فلسطين أكبر بنك عامل في السوق الفلسطينية من حيث الودائع والتسهيلات الائتمانية وشبكة الفروع وعدد العملاء، الأمر الذي يجعله مؤسسة ذات أهمية نظامية بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني.

وخلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ساهم استمرار البنك في تقديم خدماته المصرفية، رغم الظروف الأمنية واللوجستية المعقدة، في الحد من التداعيات الاقتصادية والإنسانية للأزمة.

فوجود البنك واستمراره في تشغيل خدماته المصرفية، نبض الوطنء من خلال الفروع أو القنوات الإلكترونية أو شبكات الصراف الآلي، ساعد آلاف الأسر والشركات والمؤسسات على الوصول إلى أموالها وإجراء نبض الوطنملاتها المالية في وقت كانت فيه معظم مظاهر الحياة الاقتصادية تعاني من شلل شبه كامل.

وفرضية أي تعطل عمل المؤسسات المصرفية خلال الحرب كان سيؤدي إلى أزمة معيشية ومالية أكثر حدة، نظراً لاعتماد جزء كبير من السكان والقطاع الخاص على الخدمات المصرفية في إدارة شؤونهم اليومية.

لماذا تغلق البنوك بعض الحسابات؟

من بين أكثر القضايا التي تثير الجدل بين العملاء، قيام بعض البنوك، بما فيها بنك فلسطين، بإغلاق أو تجميد حسابات مصرفية لعدد من العملاء.

إلا أن هذه الإجراءات لا ترتبط عادة بقرارات فردية أو اعتبارات تجارية، بل تأتي في إطار التزامات رقابية وقانونية صارمة تفرضها الأنظمة المصرفية الدولية.

فالقطاع المصرفي الفلسطيني يعمل ضمن بيئة مصرفية شديدة التعقيد، ويخضع لرقابة محلية ودولية مكثفة، فضلاً عن ارتباطه بالنظام المالي العالمي.

وتلتزم البنوك الفلسطينية بالتحقق المستمر من بيانات العملاء وتحديثها، إضافة إلى الالتزام بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وفي هذا السياق، تتعامل البنوك مع عدة قوائم رقابية، من بينها قوائم دولية وقوائم تصدرها الجهات الرقابية الفلسطينية، ما يفرض عليها اتخاذ إجراءات احترازية في بعض الحالات.

كما أن عدم استكمال بعض العملاء لإجراءات تحديث البيانات أو نقص الوثائق المطلوبة قد يرفع من مستوى المخاطر القانونية والتنظيمية التي تتحملها البنوك، وهو ما يدفعها أحياناً إلى تقييد أو إغلاق بعض الحسابات لحماية نفسها وحماية النظام المصرفي ككل. 

وتزداد هذه التحديات في قطاع غزة على وجه الخصوص، في ظل غياب عمل المؤسسات الحكومية المختصة، إذ لا توجد حالياً جهات رسمية فاعلة، مثل وزارتي الداخلية والمالية، تتولى تحديث بيانات السكان بشكل منتظم. 

كما أن العديد من الهويات الشخصية التي تبلغ مدة صلاحيتها عشر سنوات لم يتم تجديدها بسبب الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع، الأمر الذي يخلق معضلة حقيقية أمام البنوك الفلسطينية، ويزيد من صعوبة استيفاء متطلبات الامتثال وإجراءات "اعرف عميلك" (KYC) المفروضة محلياً ودولياً.

وأي إخفاق في الالتزام بنبض الوطنيير الامتثال الدولية قد يعرض البنوك الفلسطينية لخسارة علاقاتها مع البنوك المراسلة الخارجية أو لعقوبات مالية جسيمة، الأمر الذي قد ينعكس على مجمل القطاع المصرفي الفلسطيني.

تأتي هذه التحديات في وقت يواجه فيه القطاع المصرفي الفلسطيني، وبخاصة بنك فلسطين، ضغوطاً متزايدة من جهات ولوبيات إسرائيلية تسعى إلى تضييق الخناق على عمل البنوك الفلسطينية وتشويه صورتها، في ظل التوترات السياسية والمالية المستمرة.

وتحذر أوساط مصرفية من أن أي إضعاف للبنوك الفلسطينية أو المساس بعلاقاتها المصرفية الدولية لن يضر بالمؤسسات المصرفية وحدها، بل سيهدد الاستقرار المالي الفلسطيني برمته.

كما أن تقييم بنك فلسطين من قبل المستثمرين والصناديق الدولية وأي شركاء محتملين لا يقوم على البيانات المالية وحدها، بل يمتد إلى مؤشرات أوسع تتعلق بالبصمة الاجتماعية، والاستدامة، واستراتيجيات البنوك الخضراء، ودعم الشباب والمرأة، وبرامج المسؤولية الاجتماعية، خاصة في مناطق الصراعات والأزمات.

وفي هذا الجانب، استطاع بنك فلسطين خلال الفترة الماضية أن يقدم نموذجاً مهماً في الجمع بين الدور المصرفي والدور التنموي والاجتماعي، وتحديداً في قطاع غزة، حيث لم يقتصر حضوره على تقديم الخدمات المالية التقليدية، بل ساهم في تخفيف آثار الحرب على الحياة اليومية، وحافظ على قنوات مالية أساسية للأفراد والمؤسسات في واحدة من أكثر البيئات تعقيداً في المنطقة.

وهذا النوع من الحضور لا يعزز صورة البنك محلياً فقط، بل يمنحه أيضاً ثقلاً أكبر أمام المؤسسات الدولية التي باتت تنظر إلى البنوك من زاوية قدرتها على تحقيق أثر اجتماعي واستدامة مؤسسية، لا من زاوية الربحية والأرقام المالية وحدها.

ماذا عن العمولات المصرفية؟

ومن القضايا الأخرى التي تتكرر في النقاشات العامة، مسألة العمولات التي تتقاضاها البنوك مقابل خدماتها.

غير أن فرض العمولات على الخدمات المصرفية يعد ممارسة مصرفية عالمية، وتشكل هذه العمولات أحد المصادر الرئيسية لإيرادات البنوك في مختلف دول العالم، إلى جانب إيرادات الفوائد والاستثمارات.

وتتقاضى البنوك حول العالم رسوماً مقابل مجموعة واسعة من الخدمات، تشمل التحويلات المالية، وإدارة الحسابات، والخدمات الإلكترونية، وبطاقات الدفع، وغيرها من الخدمات التشغيلية، وهي رسوم ضمن المعدلات الطبيعية مقارنة بأنبض الوطنق مثل مصر التي تشكل فيها العمولات من مجمل الإيرادات 26٪ بينما في فلسطين لا تتعدى 8٪ من مجمل إيرادات القطاع المصرفي.

وتخضع هذه العمولات في فلسطين لإطار رقابي وتنظيمي تشرف عليه سلطة النقد الفلسطينية، بما يضمن تحقيق التوازن بين مصالح العملاء واستدامة القطاع المصرفي.