انطلقت الأخصائية النفسية حلا أبو عاصي في رحلة ميدانية وسط الحرب، لتكون شاهدة على حجم النبض الوطنناة النفسية التي عاشها الناس، وخاصة النساء والأطفال. الخوف أصبح شعوراً يومياً يرافقهم حتى في أوقات الهدوء، حيث ارتفعت مستويات القلق والتوتر والإرهاق النفسي لدى النساء، فيما ظهرت على الأطفال أعراض مثل التبول اللاإرادي ونوبات الغضب والعدوانية وفقدان الاهتمام باللعب والبكاء عند تذكر أحداث الحرب.

تقول أبو عاصي إن التدخلات النفسية الطارئة بدأت بالإسعاف النفسي الأولي عبر توفير مساحة آمنة للاستماع واحتواء الانفعالات، ثم جلسات دعم جماعية للأطفال والنساء وأنشطة تفريغ انفعالي بالرسم واللعب، إضافة إلى جلسات تثقيف نفسي للأهالي ومتابعة فردية للحالات الأكثر هشاشة. لكنها تؤكد أن حجم الصدمات كان أكبر بكثير من الإمكانيات المتوفرة، وأن الدعم النفسي لا يمكن أن يكون كافياً ما دام مصدر التهديد مستمراً.

المرأة كانت خط الدفاع الأول عن أسرتها، مطالبة بحماية أطفالها واحتواء مخاوفهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية، بينما تعيش هي نفسها الخوف والقلق وفقدان الأمان. كثير من الأمهات شعرن بالذنب لعدم قدرتهن على توفير الأمان أو تلبية الاحتياجات، ما يجعل النساء بحاجة إلى منظومة دعم متكاملة تشمل بيئة آمنة ودعماً اجتماعياً واقتصادياً ومساحات للتعبير عن مشاعرهن دون خوف من الوصمة.

أما الأطفال، فقد أصبح جهازهم العصبي معتاداً على التأهب المستمر، مما أدى إلى فرط يقظة وسرعة فزع وكوابيس وصعوبة في التركيز. وتوضح أبو عاصي أن نبض الوطنلجة الصدمات لا تبدأ بطلب الطفل أن ينسى، بل بمساعدته على استعادة شعوره بالأمان وتهدئة جهازه العصبي تدريجياً عبر الروتين اليومي والأنشطة التعبيرية. وتشدد على ضرورة وجود برامج دعم نفسي مستمرة داخل المدارس والمراكز المجتمعية مع توعية الأهل بكيفية التعامل مع الأطفال بعد الصدمات.

وتروي أبو عاصي قصة الطفلة عفاف (14 عاماً) التي أصيبت بطلق ناري في ظهرها. في أول جلسة كانت تضحك وهي تحكي كيف أُصيبت، وتضحك وهي تتذكر من رحلوا، ولم تبكِ. تقول الأخصائية: "هذا كان أخطر من الصمت، لأن الضحك الزائف يخفي ألماً عميقاً". بدأت الجلسات بأنفاسها لا بجروحها، ومع الوقت تعلمت عفاف أن من حقها أن تغضب وتخاف وتزعل. وفي جلسات لاحقة قالت: "تعبت من التمثيل"، لتبدأ رحلة وعي جديدة بنفسها وبمشاعرها.

بعد الحرب ظهرت زيادة في بعض حالات العنف الأسري والسلوكيات العدوانية، وهي غالباً انعكاس لضغط نفسي شديد واستمرار حالة الاستنفار. التعامل مع هذه الحالات يتم عبر مساعدة الأشخاص على التعرف إلى مشاعرهم وتوجيه الغضب لقنوات آمنة، باستخدام تمارين تهدئة الجهاز العصبي والأنشطة التعبيرية وتعليم مهارات التواصل وإدارة الغضب.

العملية التعليمية تأثرت بشكل كبير، إذ يعاني الطلبة من ضعف التركيز والخوف المستمر وصعوبة الاندماج داخل الصف، فيما يعيش المعلمون ضغوطاً مشابهة. لذلك أصبح دور الأخصائيين النفسيين محورياً في خلق بيئة آمنة داخل المدرسة، وتقديم جلسات دعم نفسي جماعي وفردي للطلبة، إضافة إلى دعم المعلمين نفسياً.

وتشير أبو عاصي إلى أن المجتمع المحلي يلعب دوراً أساسياً في التعافي النفسي، من خلال الأسرة والجيران والمدرسة والمؤسسات المجتمعية. المبادرات مثل المساحات الصديقة للطفل، مجموعات دعم النساء، وحملات التوعية النفسية ساعدت في تصحيح المفاهيم وتشجيع الناس على طلب المساعدة. لكنها تشدد على أن حجم الاحتياج أكبر من الإمكانيات، وأن التعافي النفسي مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب تدريب متطوعين على مبادئ الدعم النفسي الأولي.

وتضيف أن من أصعب التحديات خلال الحرب كان الوصول إلى المستفيدين في ظل النزوح المستمر وانعدام الأمان وتضرر البنية التحتية، إضافة إلى محدودية الموارد وكثرة الاحتياجات.

الأخصائي النفسي نفسه كان يعيش الحرب لكنه مطالب بأن يكون مصدر دعم للآخرين. كما أن كثيراً من الأشخاص كانوا يركزون على مأوى وغذاء وأمان، لذلك لم يكن من السهل إقناعهم بأهمية الدعم النفسي. التغلب على هذه التحديات كان بالمرونة في تقديم الخدمات، وتنفيذ جلسات دعم في المدارس ومراكز الإيواء والمجتنبض الوطنت المحلية، وبناء الثقة مع المجتمع، والتركيز على التدخلات البسيطة والفعّالة التي تمنح الأشخاص شعوراً بالأمان والأمل حتى في أصعب الظروف.

وفي رؤيتها لمرحلة ما بعد الحرب، تؤكد أبو عاصي أنها يجب أن تُنظر إليها كمرحلة تعافٍ نفسي مجتمعي، وليست مجرد إعادة إعمار للمباني. فإعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر. المطلوب هو الانتقال من التدخلات الطارئة إلى برامج طويلة الأمد تُعنى بتنظيم الجهاز العصبي وعلاج الصدمات وتعزيز المرونة النفسية، ودمج خدمات الصحة النفسية في المدارس والمراكز الصحية والجانبض الوطنت. وتشدد على ضرورة الاستثمار في تدريب الكوادر المحلية وتمكين الأخصائيين النفسيين، وتوعية المجتمع بأن طلب المساعدة النفسية هو سلوك صحي يعكس الوعي وليس الضعف.

وتختم رسالتها بالقول: "الإنسان قد يتعرض لصدمة، لكنه ليس محكوماً بأن يبقى أسيراً لها. ومع الدعم الصحيح، والبيئة الآمنة، والتدخل المهني المبكر، يمكننا أن نبني مجتنبض الوطنً أكثر قدرة على التعافي، وأكثر وعياً بالصحة النفسية."