قالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الثلاثاء، إن ممثلين عن مختلف الهيئات التابعة لـ "مجلس السلام" الذي تقوده الولايات المتحدة، والمشارك في إدارة غزة لفترة ما بعد الحرب، يجتمعون هذا الأسبوع في قبرص، حيث يسعون لتجهيز لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لدخول القطاع بهدف استبدال حركة حماس في إدارة القطاع الذي مزقته الحرب.

وفي حين وصف دبلوماسي عربي من إحدى الدول الوسيطة ومسؤول فلسطيني مطلع على الأمر اجتماع قبرص بأنه فرصة لـ "إعادة ضبط" المبادرة بعد أول ستة أشهر مضطربة، أصر مسؤول في مجلس السلام الأسبوع الماضي على أن الاجتماع سيكون روتينياً وأن العملية تسير إلى حد كبير وفقاً للخطة. بحسب الصحيفة

وفي الواقع، عقد مجلس السلام ورشة عمل إضافية لم يُعلن عنها سابقاً الأسبوع الماضي في القاهرة، حضرتها اللجنة الكاملة من التكنوقراط الفلسطينيين، والمعروفة رسمياً باسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة".

وكان قد كُشف عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة في يناير الماضي -إلى جانب العديد من الهيئات الأخرى التابعة لمجلس السلام- وانتقل أعضاؤها الذين يتجاوز عددهم الاثني عشر بعد ذلك من غزة والضفة الغربية إلى فندق في القاهرة، حيث يعكفون على إعداد خطط لاستبدال حماس، وهي الحركة التي قادت هجوم السابع من أكتوبر لعام 2023 في جنوب إسرائيل، مما أشعل حرباً استمرت لعامين.

ورغم أنه لم يتم الإعلان عن أي موعد لدخول اللجنة الوطنية إلى غزة، إلا أن أحد أعضاء اللجنة أقر بتصاعد حالة الإحباط، قائلاً إنهم لم يتوقعوا أن تكون المرحلة الانتقالية طويلة كما هو الحال الآن. وتحدث عضو اللجنة شريطة عدم الكشف عن هويته، نظراً لأن مجلس السلام الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة منع الأعضاء من التحدث إلى وسائل الإعلام. وكان رئيس اللجنة علي شعث قد أجرى عدداً قليلاً من المقابلات بعد تعيينه بوقت قصير، لكنه تجنب الظهور العلني بشكل كبير منذ ذلك الحين.

من جانبه، أصر مبعوث مجلس السلام إلى غزة، نيكولاي ملادينوف ، على أن العقبة الرئيسية التي تمنع اللجنة الوطنية من دخول غزة هي رفض حماس التخلي عن سلاحها.

وأقر دبلوماسيون من الدول الوسيطة في الشرق الأوسط -مصر وقطر وتركيا- بأن حماس سعت إلى المماطلة في المفاوضات بشأن هذه القضية. ومع ذلك، جادلوا أيضاً بأن رفض إسرائيل الالتزام بشروط المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في غزة والموقع في أكتوبر 2025 قد شكل عقبة رئيسية أيضاً، وأضافوا أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصبحت غير متعاونة بشكل متزايد مع اقتراب انتخابات الكنيست في الخريف، وأنه لا يوجد أمل يذكر في حدوث انفراجة إلا بعد إجراء تلك الانتخابات.

وفي غضون ذلك، يعقد أعضاء اللجنة الوطنية لقاءات متكررة مع دبلوماسيين أجانب في القاهرة، وخضعوا لعدة دورات تدريبية أدارتها شركة الاستشارات الحكومية "معهد توني بلير للتغيير العالمي" التابعة للمسؤول الرفيع في مجلس السلام توني بلير.

ومن المقرر أن يشارك بلير نفسه، إلى جانب نحو ثمانية من موظفي المعهد، في "ورشة العمل الاستراتيجية" في قبرص والتي تستمر من الثلاثاء إلى الخميس. وكان موقع "تايمز أوف إسرائيل" قد كشف في وقت سابق من هذا الشهر أن بلير تولى دوراً أكبر في مجلس السلام، نظراً لحجم الموارد التي يستطيع معهده توفيرها.

ماذا يقول اجتماع مصر عن توجه مجلس السلام؟

شارك معهد توني بلير أيضاً في التخطيط لـ "ورشة العمل التحضيرية" التي استمرت يومين الأسبوع الماضي في القاهرة. وقد حصل موقع "تايمز أوف إسرائيل" على جدول أعمال ذلك الاجتماع، والذي ي فتح نافذة على ما يخطط له مجلس السلام لإعادة إعمار غزة.

وكان الهدف المعلن للاجتماع هو "التركيز على مناقشات فنية وتشغيلية مفصلة عبر مختلف لجان اللجنة الوطنية لإدارة غزة. والهدف هو مراجعة التقدم المحرز، وحل القضايا العالقة، ومواءمة الأولويات، وإعداد التوصيات وأوراق القرار لترفع إلى القيادة للنظر فيها".

وتتكون اللجنة الوطنية من 12 مفوضاً على الأقل، كل منهم مسؤول عن مكتب مختلف، بما في ذلك الزراعة، والاتصالات، والتعليم، والمالية، والصحة، والإسكان، والأمن الداخلي، والعدل، والضمان الاجتماعي، والتجارة، وشؤون العشائر، والمرافق العامة.

وتمت إضافة العديد من الأفراد إلى طاقم اللجنة الوطنية ولكن لم يتم الإعلان عنهم، بما في ذلك ثلاثة نواب على الأقل سيعملون تحت قيادة مفوض الأمن الداخلي سامي نسمان، وسيحضرون جميعاً ورشة عمل قبرص التي ستركز بشكل أكبر على القضايا الأمنية.

ويعمل مجلس السلام على دفع جهود إنشاء قوة شرطة فلسطينية بالإضافة إلى قوة تثبيت استقرار دولية، ستكون مسؤولة عن حفظ الأمن والنظام بالإضافة إلى تأمين حدود القطاع.

وقال دبلوماسيان عربيان لـ "تايمز أوف إسرائيل" إن مصر وافقت على استضافة تدريب مجندي الشرطة، ووافقت أربع دول على المساهمة بقوات في قوة تثبيت الاستقرار الدولية، لكن هناك حاجة إلى موافقات إسرائيلية لنشر كلتا القوتين، ولم يتم الحصول عليها بعد. وتشمل تلك الموافقات التوقيع على اتفاقية وضع القوات مع كل دولة مساهمة لتحديد الضوابط القانونية للجنود الأجانب المتمركزين في الخارج. من جهته، أصر مسؤول في مجلس السلام على أن المسألة ستحل قريباً، لكنه لم يحدد جدولاً زمنياً.

وبدأ برنامج ورشة عمل مصر بأنشطة لكسر الجمود، ويبدو أنها جُدولت بسبب تعيين موظفين مهنيين إضافيين في الهيئة المظلية لمجلس السلام، ومكتب الممثل السامي ملادينوف، ومعهد توني بلير، والذين لم يسبق لهم التواجد نبض الوطنً في مكان واحد من قبل. ويضم طاقم مجلس السلام الآن أيضاً العديد من المسؤولين الأمريكيين الذين تم جلبهم في الأصل إلى إدارة ترامب للخدمة في وزارة كفاءة الحكومة التي يقودها إيلون ماسك.

ومن بين الجلسات في القاهرة، ركزت إحداها على "المحفظة الرقمية"، والتي يخطط مجلس السلام على ما يبدو للاعتماد عليها بشكل كبير لنقل اقتصاد غزة إلى الإنترنت، بدلاً من الاضطرار إلى الاعتماد على النقد. كما كان من المقرر أن يشارك ممثل عن البنك الدولي في اجتماع قبرص هذا الأسبوع.

وركزت جلسة أخرى على إشراك المانحين، حيث من المؤكد أن مجلس السلام س يحاول حشد المزيد من الدعم الدولي لإعادة إعمار غزة. ورغم التعهد بتقديم 17 مليار دولار في مؤتمر المانحين في فبراير، إلا أنه لم يتم تحويل سوى جزء ضئيل جداً، لأن دول الخليج التي قدمت المبالغ الأكبر كانت الأكثر استهدافاً من قبل إيران في الأسابيع التي تلت ذلك، مما سيجبر على الأرجح على إعادة ترتيب أولويات الميزانية.

وجاءت جلسة أخرى في ورشة عمل القاهرة بعنوان "المخيمات الإنسانية، المجتنبض الوطنت المؤقتة واحتياجات التعافي المبكر" - وهو مؤشر على أفكار الإسكان التي يأمل مجلس السلام في دفعها. وقال مسؤول في مجلس السلام الأسبوع الماضي إن أول مجتمع مؤقت سيتم بناؤه على أنقاض رفح، في الجزء الذي يحتله الجيش الإسرائيلي من القطاع والذي أطلق عليه اسم "المنطقة الخضراء".

وفي حين أن وقف إطلاق النار كان يتطلب من إسرائيل التراجع إلى خط أصفر يقسم القطاع تقريباً إلى نصفين شرقي وغربي، أعلن نتنياهو الشهر الماضي أنه وجه الجيش بالسيطرة على 20 بالمئة إضافية من القطاع، مما يحشر نحو مليوني فلسطيني في قسم أصغر من القطاع بالقرب من الساحل.

وفي ظل المأزق الذي تمر به محادثات نزع سلاح حماس، يأمل مجلس السلام في البدء على الأقل في بناء مجتنبض الوطنت مؤقتة في المنطقة الخضراء، ولكن من غير الواضح ما إذا كان الفلسطينيون سيكونون على استعداد للانتقال إلى الجانب الإسرائيلي من القطاع، وما إذا كانت اللجنة الوطنية ستفقد شرعيتها بالعمل تحت الاحتلال الإسرائيلي. علاوة على ذلك، هناك حاجة إلى موافقات إسرائيلية إضافية من أجل دفع ما يُفهم على نطاق واسع بأنه "الخطة ب" لمجلس السلام.

والأفضلية هي أن توافق حماس على خطة نزع السلاح الخاصة بمجلس السلام، والتي من شأنها أن تسمح ببدء إعادة الإعمار في جميع أنحاء القطاع -بما في ذلك "المنطقة الحمراء" التي تسيطر عليها حماس- مع انسحاب إسرائيل تدريجياً.

هل يمكن أن تكون إجابة حماس بـ "نعم، ولكن" كافية؟

وبناءً على ذلك، استمرت المحادثات بين مجلس السلام والدول الوسيطة في الشرق الأوسط ومسؤولي حماس بشكل متقطع في القاهرة على مدى الأسابيع القليلة الماضية.

وقال الدبلوماسيان العربيان إن الحركة انتقلت من الرفض القاطع لفكرة نزع السلاح إلى تقديم مقترحات تبدأ بتسليم أسلحة جهاز الشرطة التابع لها إلى جانب العدد الصغير نسبياً من الأسلحة الثقيلة التي لا تزال في حوزة جناحها العسكري بعد سنوات من القصف الإسرائيلي.

وقال أحد الدبلوماسيين العرب إن عشرات الآلاف من بنادق الكلاشينكوف (AK-47) التي لا يزال الجناح العسكري يمتلكها تشكل قضية أكثر تعقيداً، حيث يخشى مسؤولو حماس أن يفقدوا أي أوراق ضغط متبقية لديهم من خلال التخلي عنها، خاصة في البداية.

كما كان مفاوضو حماس يضغطون من أجل صياغة أكثر وضوحاً تربط عملية نزع السلاح بتنفيذ إسرائيل لالتزامات المرحلة الأولى، ونشر اللجنة الوطنية وقوة تثبيت الاستقرار الدولية في غزة، وإقامة دولة فلسطينية، ولكن من غير المرجح أن تقبل إسرائيل مثل هذه التعديلات.

وتوقع الدبلوماسي العربي أن يتمكن الوسطاء في نهاية المطاف من إقناع حماس بتقديم رد يتضمن "نعم، ولكن" على مقترح مجلس السلام لنزع السلاح، بيد أن السؤال حينها سيكون حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعتبر ذلك كافياً للضغط على إسرائيل للقبول به. ونظراً لأن رأس المال السياسي في واشنطن قد استُنزف بالفعل لكبح جماح إسرائيل عن مواصلة الهجمات في إيران ولبنان، فمن غير الواضح ما إذا كانت هناك رغبة في استخدام ما تبقى لمحاولة كبح جماح إسرائيل في غزة أيضاً.

وفي هذه الأثناء، يمضي مجلس السلام قدماً في خططه. وجاء في جدول الأعمال الذي حصل عليه موقع "تايمز أوف إسرائيل" أن الهدف من قمة قبرص هو "التركيز على مجموعة أصغر من القضايا الاستراتيجية المتداخلة التي تتطلب توجيهاً وتوافقاً من القيادة".

وأضاف الجدول: "ستركز المناقشات على الترتيبات الأمنية، والتخطيط المكاني المتطور، ومتطلبات التمويل، واستراتيجية الاتصال، والإطار القانوني والحوكمة المطلوب لدعم التنفيذ".

وأصر عضو اللجنة الوطنية في حديثه لـ "تايمز أوف إسرائيل" على أنه يتم إعداد خطط جادة للجنة لإدارة غزة بكفاءة، لكنه أقر بأن تلك المخططات سيكون تنفيذها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.