أروى عاشور - غزة - رايــة:
"الناس بتشوفني ببيع حطب… بس محدش بيعرف إني كل يوم بحاول أنقذ كتاب من تحت الركام".. بهذه الكلمات تختصر نيڤين الغرابلي (41 عاماً) حكايتها، فمنذ نزوحها من حي الشجاعية شرق مدينة غزة إلى مدينة رفح مع بداية الحرب، اضطرت الأم لسبعة أبناء، ثلاثة منهم من ذوي الإعاقة، إلى امتهان جمع الحطب وتكسيره وبيعه بعدما أصبح الخشب بديلاً عن الغاز المفقود لإشعال النار وطهي الطعام. كانت نيڤين تبحث عن وسيلة تعين بها أسرتها، فزوجها يعاني من مرض الضغط المزمن ولا يستطيع العمل، بينما يحتاج أبناؤها مروة (20 عاماً)، وندى (18 عاماً)، وجميل (7 أعوام)، المصابون بضمور في الدماغ، إلى رعاية خاصة في ظل انعدام مصادر الدخل وتردي الأوضاع الإنسانية.
وتقول الغرابلي لـ"رايــة": "والله ما كنت أتخيل ييجي يوم أطلع أدور على الحطب عشان أطبخ لأولادي، بس شو نعمل… الحياة أجبرتنا، وأنا ما بقدر أشوفهم محتاجين". ومع دخول الهدنة حيز التنفيذ نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025، أنفقت كل ما ادخرته من عملها على أجرة نقل أغراضها إلى مدينة غزة، حيث نصبت خيمتها في أحد الشوارع غرب المدينة، ثم عادت إلى عملها من جديد. وفي كل صباح، تسير برفقة بناتها الثلاث مسافات طويلة نحو حي الشيخ رضوان وبلدة بيت لاهيا شمال القطاع، بحثاً عن الأخشاب بين أنقاض المنازل التي دمرها الجيش الإسرائيلي. لكن بين الركام لم تكن تجد الحطب فقط، بل عشرات الكتب التربوية والدينية والتعليمية والروايات. كانت تجمعها بعناية وتأخذها معها إلى الخيمة، تقرأها واحدة تلو الأخرى، وترفض بيعها لمن أراد استخدامها لإشعال النار أو لف السجائر. وتقول: "إجاني ناس بدهم يشتروا الكتب عشان يولعوا فيها النار، بس والله ما هان عليّ. الكتاب لازم ينقرأ، مش ينحرق". ومن هذا الإيمان، قررت قبل سبعة أشهر افتتاح زاوية صغيرة بجوار ركن بيع الحطب والكرتون، تعرض فيها الكتب بأسعار رمزية تتراوح بين 8 و10 شواقل، فيما تسمح لمن لا يملك ثمنها باستعارتها وإعادتها بعد الانتهاء من قراءتها. وتضيف: "إذا الواحد ما معه حق الكتاب، ياخده ويقرأه ويرجعه. المهم تضل القراءة موجودة بين الناس".
ولم تستطع نيڤين إكمال المرحلة الثانوية بسبب الظروف التي عاشتها، إلا أنها لم تتخل عن شغفها بالتعلم، فأتقنت اللغة الإنجليزية عبر الهاتف والتلفاز، وحرصت على قراءة كل كتاب عثرت عليه. وكان أول كتاب انتشلته من تحت الركام يحمل عنوان "الشعر العربي"، ولا يزال من أقرب الكتب إلى قلبها. وقبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، كانت تعمل في مصنع للخياطة، تتولى تعبئة الملابس داخل أكياس نايلون، وتعيل أسرتها من دخلها، كما تمكنت من تسديد رسوم الثانوية العامة لابنتها مروة، دون أن تضطر لطلب المساعدة من أحد. أما اليوم، فتعيش العائلة داخل خيمة تفتقر إلى مرحاض خاص، فيما تتولى نيڤين وبناتها نقل جالونات المياه والطهي على نار الحطب، في مشهد يلخص قسوة الحياة التي فرضتها الحرب. وتقول بحسرة: "أكتر إشي بيوجعني إني بشوف بناتي بيجمعوا الحطب معي وبيشيلوا همّ الحياة، بدل ما يكون همهم الدراسة ومستقبلهم". ولا يفارقها صغيرها يوسف (5 أعوام)، الذي حرمته الحرب من بداية تعليمه كما ينبغي، وأصبح يرافق والدته في عملها يومياً. يقول يوسف: "أنا بحب أساعد ماما، بكسر الخشب وبرتبه على البسطة، ولما نبيع منه بفرح عشان بكون ساعدتها." ورغم كل ما خسرته، لا تزال نيڤين تتمنى أن تستعيد منزلها الذي تحول إلى كومة من الحجارة، وأن يعود عملها الذي فقدته، وأن يحظى أطفالها بحياة لا يطاردون فيها الحطب من أجل البقاء، ولا تُنتشل فيها الكتب من بين الركام كي تنجو من النار.