في حلقة جديدة من بودكاست "ضيف الرايــة" برعاية جوال، استضاف البرنامج؛ الأكاديمي والشاعر ووزير الثقافة الفلسطيني السابق الدكتور إيهاب بسيسو، في حوار امتد بين الشخصي والمهني والسياسي والثقافي، مستعرضاً محطات حياته وتجربته في العمل العام، ورؤيته لمستقبل الثقافة الفلسطينية والحالة الوطنية في ظل التحديات الراهنة.
واستهل بسيسو حديثه بالعودة إلى جذوره في مدينة غزة، حيث ولد عام 1978 في حي الرمال، معتبراً أن غزة بكل تفاصيلها الإنسانية والشعبية والوجدانية شكّلت الركيزة الأساسية في بناء شخصيته، مؤكداً أن المدينة ما تزال تمثل ذاكرته الأولى ومصدر إلهامه الدائم.
كما كشف عن جانب قد لا يعرفه كثيرون، وهو دراسته الهندسة المعمارية في بريطانيا، موضحاً أن العمارة لم تكن مجرد تخصص أكاديمي، بل مدخلاً لفهم المجتمع والسياسة والثقافة، قبل أن يقوده شغفه بالكلمة والإعلام إلى دراسة الإعلام الدولي والعلاقات الدولية، بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، إيماناً بأهمية امتلاك خطاب إعلامي قادر على الدفاع عن الرواية الفلسطينية.
وتحدث بسيسو عن انتقاله إلى العمل الأكاديمي في جامعة بيرزيت، حيث عمل محاضراً ورئيساً لدائرة الإعلام، قبل أن ينتقل إلى العمل الحكومي متحدثاً باسم حكومة الوفاق الوطني عام 2014، ثم وزيراً للثقافة بين عامي 2015 و2019، واصفاً تلك المرحلة بأنها كانت مليئة بالتحديات، لكنها شهدت إطلاق العديد من المشاريع الثقافية الوطنية.
وأكد أن وزارة الثقافة خلال تلك الفترة ركزت على تعزيز الذاكرة الوطنية، وتوسيع الشراكات الثقافية نبض الوطن والدولية، وإطلاق برامج نوعية، من بينها الاحتفاء بمئويات المبدعين الفلسطينيين، واستضافة الكويت ضيف شرف معرض فلسطين الدولي للكتاب، والعمل على اختيار القدس عاصمة للثقافة الإسلامية وبيت لحم عاصمة للثقافة نبض الوطن.
وأشار إلى أن من أبرز إنجازاته تأسيس المكتبة الوطنية الفلسطينية، معتبراً أنها مشروع استراتيجي لحفظ الإنتاج الثقافي الفلسطيني وصون الذاكرة الوطنية، قبل أن يتولى رئاسة مجلس إدارتها حتى عام 2021.
وفي سياق الحديث عن تجربته السياسية، كشف بسيسو تفاصيل إقالته من منصبه بقرار رئاسي عقب موقفه المطالب بالتحقيق في قضية مقتل الناشط نزار بنات، مؤكداً أن ما كتبه آنذاك كان انتصاراً للمبادئ وليس حسابات سياسية، وأن الدفاع عن حرية الرأي والتعبير يجب أن يشمل جميع الفلسطينيين دون استثناء.
وشدد في حديثه عبر شبكة رايـــة الإعلامية، على أن حرية التعبير تمثل الوطن المعنوي للفلسطينيين، محذراً من أن تقييدها يضعف المجتمع ويعمق أزماته، داعياً إلى فتح المجال أمام الحوار والتعددية باعتبارهما أساساً لتطور المجتنبض الوطنت.
وتوقف بسيسو عند واقع المثقف الفلسطيني، معتبراً أن الحديث عن غيابه لا يمكن تعميمه، لكنه أقر بأن تأثير المثقف تراجع نتيجة تراجع البيئة الثقافية والمؤسسات الحاضنة للإبداع، مقارنة بما كانت عليه العقود السابقة، داعياً إلى إعادة بناء المناخ الثقافي وتعزيز دور المؤسسات الثقافية والإعلامية في دعم الإنتاج الفكري والفني.
وربط بسيسو بين الثقافة والصمود الوطني، مؤكداً أن الاحتلال يستهدف الثقافة والذاكرة والتراث الفلسطيني لأنها تمثل أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، مضيفاً أن "الثقافة هي وقود الحياة الفلسطينية"، وأن محاولات طمس الهوية لا تقل خطورة عن استهداف الأرض.
كما تناول الأزمات اليومية التي يعيشها الفلسطينيون، ومنها الطوابير والأزمات الاقتصادية والخدمية، محذراً من "تطبيع الأزمات" وتحويلها إلى واقع دائم، داعياً إلى إدارة الأزمات عبر سياسات واضحة، ومشاركة مجتمعية، وخطط مؤسساتية، بدلاً من ترك المواطن وحيداً في مواجهة الأعباء.
وفي الشأن السياسي، أكد أن الجمود السياسي يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الفلسطينيين، داعياً إلى استعادة الحيوية الوطنية عبر الانتخابات والمشاركة الشعبية وتجديد المؤسسات، معتبراً أن الشعب الفلسطيني يحتاج اليوم إلى برنامج عمل وطني يعزز الصمود ويحافظ على الوجود الفلسطيني في مواجهة سياسات الاحتلال.
كما دعا بسيسو إلى إعادة بناء العلاقة بين الداخل والخارج، والاستفادة من الطاقات الفلسطينية المنتشرة حول العالم، وتعزيز أدوات التأثير السياسي والثقافي والإعلامي بما يخدم القضية الفلسطينية.
وفي ختام اللقاء، تحدث بسيسو عن ديوانه الشعري الجديد "لن يصدق أحد أنني جثة"، موضحاً أنه جاء توثيقاً شعرياً لتجربة الإبادة المستمرة في قطاع غزة، ولحالة الفقد التي عاشها شخصياً بعد تدمير أماكن وذكريات وأحباء، مؤكداً أن الديوان لا يوثق الموت بقدر ما ينتصر للحياة رغم كل المآسي.
واختتم رسالته بالتأكيد على أن الفلسطينيين، رغم كل ما يواجهونه من حرب وإبادة وانقسام وأزمات، ما زالوا يمتلكون القدرة على صناعة الأمل، وأن الفترات الأكثر ظلمة تسبق دائماً بزوغ الفجر، داعياً إلى الإيمان بالشباب، والعمل المؤسساتي، وتجديد الحياة السياسية والثقافية باعتبارها الطريق نحو المستقبل.
بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.