جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية: في غزة، لا ينتهي الفقد عند لحظة استشهاد الأبناء… بالنسبة لعطاف محمود، يبدأ بعدها فصل آخر من الألم؛ خيمة، أحفاد فقدوا والدهم، قبور جُرفت، وذاكرة تحمل تفاصيل حرب لم تترك لها شيئاً سوى ما تبقى من أبنائها وذكرياتهم.

تجلس عطاف، الموظفة السابقة وأمّ الشهيدين، وسط واقع لم تجد فيه متسعاً للحزن. فالحرب التي أخذت اثنين من أبنائها وأصابت ثالثاً بجروح بالغة، تركتها أمام مسؤولية جديدة: أن تحاول الاستمرار من أجل أحفادها وأسرتها، بعدما فقدت البيت والأمان ومصادر الحياة التي عرفتها يوماً.

تقول بصوت تختلط فيه الحسرة بالإرهاق:

«هذا هو حالنا.. كرب ونبض الوطنناة، وألم لم ينتهِ بعد. لم تلتئم جراحنا، وأحباؤنا لا يزالون تحت أنقاض البيوت». لم يكن النزوح بالنسبة لعطاف مجرد انتقال من مكان إلى آخر. كان رحلة متواصلة بين الخوف والجوع والعطش والبحث عن مكان أكثر أمناً.

قبل الاجتياح، غادرت العائلة مخيم البريج باتجاه رفح، بعدما اشتدت العمليات العسكرية والقصف في مناطق الوسطى. تركوا خلفهم البيت والذكريات، على أمل أن تكون رفح ملاذاً مؤقتاً.

تروي عطاف أن النازحين في رفح عاشوا وسط ظروف قاسية، مع نقص الطعام والمياه وانتشار الأمراض، فيما كانت الاستهدافات والحرائق تحيط بالخيام.

«كان موتاً بعينه.. قتلى حولنا، إصابات، نيران تشتعل بالخيام. كان خليطاً من الخذلان والألم والجوع والعطش. حالة قهر منتشرة بيننا نحن النساء النازحات».

بعد نحو أسبوعين، لم يحتمل أبناؤها البقاء في تلك الظروف. ومع الإعلان عن انسحاب جيش الاحتلال من بعض المناطق في المنطقة الوسطى، قررا العودة إلى دير البلح لتفقد منزل العائلة ومحاولة استعادة بعض ما يمكن إنقاذه.

لكن العودة كانت آخر رحلة لهما.

تقول عطاف إن أبناءها تعرضوا لاستهداف مباشر بطائرة مسيّرة أثناء وجودهما في المنطقة. حاول المسعفون الوصول إليهما، لكن القصف حال دون ذلك.

«كلما حاول الإسعاف التقدم لإنقاذ حياتهم، كانت الطائرة تقصف، وكأنها إشارة تحذير. بقوا ينزفون حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة». وبعد ساعات، تمكن شبان من الوصول إليهما ونقلهما إلى مستشفى شهداء الأقصى. هناك، وجدت عطاف نفسها أمام أكثر اللحظات قسوة: أن تودع ابنيها نبض الوطنً. «شيعتهم هناك.. قلبي يغمره الأسى، وروحي مخنوقة. لم أستطع السير، ولم أتمكن من التنفس». كان أحدهما قد عقد قرانه، وكان يستعد لبدء حياة جديدة، لكن الحرب اختصرت تلك الحياة قبل أن تبدأ. «كان قد عقد قرانه، لكنه لم يتهنأ. لم يأخذ نصيبه من الفرح مع شريكة حياته».

أما ابنها الثاني، فترك خلفه زوجة وابنتين.

طفلتان أصبحتا اليوم في عهدة جدتهما، التي تحاول أن تكون لهما الأم والأب والسند، رغم أنها نفسها تبحث عمن يسندها.

«أنا الآن أقوم بتربيتهما والاهتمام بهما»، تقول عطاف.

ولا تقف خسارتها عند أبنائها.

تروي أن جيش الاحتلال جرف مقبرة العائلة، وأن قبور أهلها وأجدادها لم تسلم من الدمار.

«جرفوا مقبرة العائلة، قبور أهلي وأجدادي، حتى جثامين أبنائي في هذه الحرب».

اليوم، تعيش عطاف في خيمة. تغسل ملابسها بصعوبة، تكافح للحصول على مياه صالحة للشرب وطعام مناسب، وتحاول تأمين احتياجات الأسرة بما تملك من قدرة محدودة.

«نعيش في خيمة، أي في النبض الوطنناة. لا نستطيع غسل ملابسنا، ولا نحصل على طعام صحي، وحتى مياه الشرب ملوثة».

قبل الحرب، كانت لديها حياة وبيت وأسرة. أما الآن، فلم يبقَ لها سوى القليل.

«لم نخرج سوى بملابسنا. تركت كل شيء خلفي.. حتى قبور أهلي».

تقول عطاف إن أمهات الشهداء لا يحتجن فقط إلى التعاطف، بل إلى من يقف إلى جانبهن ويعينهن على مواجهة الحياة بعد فقد أبنائهن.

«نبض الوطنناتنا نحن أمهات الشهداء مستمرة. لم نجد من يعيلنا، ولا من يمد لنا يد العون والمساعدة. نعيش في الخيمة بكامل عجزنا وقلة حيلتنا».

بعد وفاة زوجها قبل سنوات، كانت عطاف تحاول إدارة شؤون أسرتها وحدها. واليوم، بعد استشهاد اثنين من أبنائها، أصبحت المسؤولية أثقل، فيما تقول إن الحياة فقدت معناها بالنسبة إليها.

«أحاول أن أعيش الحياة، لكن بعد رحيل أبنائي لا طعم للحياة».

ومع ذلك، تتمسك عطاف بأحفادها، وبأمل بسيط لا يتجاوز حدود الحياة الطبيعية: بيت آمن، ماء نظيف، طعام كافٍ، وعودة إلى حياة لم تعد تتذكر منها سوى ما قبل الحرب.

تتمنى فتح النبض الوطنبر ووقف النبض الوطنناة، وأن تتاح للغزيين فرصة للعيش من جديد.

«أتمنى أن تعود الحياة التي كنا نحياها قبل السابع من تشرين. أن أعيش بخير مع أحفادي وأولادي وبناتي.. أن تعود لنا الحياة».

في قصة عطاف، لا يظهر وجه الحرب فقط في لحظة القصف أو الاستهداف، بل في ما تتركه الحرب وراءها: أمّ فقدت ابنين، طفلتان فقدتا والدهما، قبور جُرفت، وبيت لم يعد قائماً، وحياة كاملة تحاول أن تبدأ من جديد وسط الركام.

عطاف لا تطلب أن تعود حياتها كما كانت تماماً؛ إنها تطلب فقط أن يكون لأحفادها مستقبل لا يشبه الحرب