أثار الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم تساؤلات بشأن الأنباء المتداولة حول سماح جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» بدخول نحو ثلاثة آلاف عامل فلسطيني إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، للعمل في التحضيرات المتعلقة بما يُعرف بـ«المدينة الإنسانية»، مؤكدًا أن هذه المعلومات لم تحظَ حتى الآن بتأكيدات رسمية واضحة، ولا توجد مؤشرات ميدانية كافية تثبت بدء أعمال فعلية للتعافي أو إعادة الإعمار.

وأوضح إبراهيم في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن التقارير المتداولة بشأن المشروع تفتقر إلى تفاصيل أساسية تتعلق بالجهات المنفذة، وشركات المقاولات، ومصادر التمويل، وآليات العمل، مشيرًا إلى أن الحديث عن إدخال آلاف العمال يثير تساؤلات حول طبيعة المهام التي سيقومون بها، في ظل عدم الإعلان عن ترتيبات تنفيذية واضحة.

أنباء غير مؤكدة بشأن دخول العمال إلى رفح

وأشار إبراهيم إلى أن وسائل إعلام تناقلت أخبارًا عن السماح بدخول نحو ثلاثة آلاف عامل فلسطيني إلى رفح، بهدف التحضير لإنشاء المدينة الإنسانية، في إطار الحديث عن بدء عملية التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة.

لكنه لفت إلى أن هذه الأنباء لم تُؤكد من مجلس السلام أو من الجهات المعنية بالمشروع، معتبرًا أن غياب المعلومات المتعلقة بشركات المقاولات والتمويل وطبيعة الأعمال يجعل من الصعب التأكد من وجود خطوات عملية على الأرض.

وأضاف أن إسرائيل سبق أن تداولت مزاعم بشأن منع حركة حماس بعض العمال من الدخول إلى المنطقة المخصصة للمشروع، إلا أن هذه الروايات لم تتوافر بشأنها أدلة مؤكدة تثبت وقوع ذلك أو توضح طبيعة الأعمال التي كان من المفترض تنفيذها.

وتساءل إبراهيم عن كيفية دخول آلاف العمال إلى المنطقة من دون الإعلان عن الشركات التي ستتولى تنفيذ المشروع، أو الكشف عن الأموال المرصودة له، مشددًا على ضرورة التمييز بين الأخبار المتداولة والتحضيرات التي يمكن إثباتها ميدانيًا.

تسوية أراضٍ في شمال رفح دون دلائل كافية على التنفيذ

وفي سياق متصل، أشار إبراهيم إلى تقارير سابقة تحدثت عن تسوية نحو 600 دونم في شمال رفح، تمهيدًا لبدء العمل في المنطقة التي يُفترض أن تستضيف المشروع.

غير أنه أوضح أن هذه المعلومات لا تكفي وحدها لإثبات انطلاق أعمال إنشاء المدينة الإنسانية، في ظل غياب بيانات واضحة بشأن الجهة المشرفة على الأعمال، وطبيعتها، والمرحلة التي وصلت إليها.

ولفت إلى أن كثرة الأنباء المتعلقة بالمشروع، من دون إعلان رسمي عن تفاصيله، تثير تساؤلات بشأن مدى جدية التحضيرات، وما إذا كانت قد انتقلت من مرحلة التصريحات والتسريبات الإعلامية إلى التنفيذ الفعلي.

كما رأى أن توقيت تداول هذه الأخبار، بالتزامن مع الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية، يستدعي مزيدًا من التدقيق والتحقق من المعلومات قبل التعامل معها باعتبارها خطوات مؤكدة على طريق إعادة الإعمار.

تقارير عن شركة أميركية ومهام مرتبطة بنزع السلاح

وتطرق إبراهيم إلى تقارير إعلامية إسرائيلية نُشرت قبل نحو أسبوعين، تحدثت عن موافقة إسرائيل على دخول شركة أميركية إلى رفح، بناءً على طلب من مجلس السلام، لإجراء عمليات بحث وفحص وتطهير في مناطق من رفح وخان يونس.

وبحسب ما ورد في تلك التقارير، ارتبطت المهمة المحتملة بالبحث في ملف أسلحة المقاومة أو نزع سلاح حركة حماس. إلا أن إبراهيم أشار إلى أن هذه المعلومات لم تُدعَم بإعلان رسمي واضح من مجلس السلام يحدد طبيعة المهمة أو نطاقها أو آليات تنفيذها.

واعتبر أن غياب التأكيدات والتفاصيل الرسمية بشأن هذه التحركات يعزز حالة الغموض المحيطة بالترتيبات المطروحة لمستقبل قطاع غزة، ويجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت هذه الخطط قد دخلت حيز التنفيذ أم لا تزال في إطار المقترحات والتقارير الإعلامية.

«المدينة الإنسانية».. تصورات عن بيوت جاهزة دون خطة تنفيذ معلنة

وأوضح إبراهيم أن الحديث عن المدينة الإنسانية في رفح ارتبط بتصورات تتحدث عن تمويل إماراتي وإقامة مساكن جاهزة، إلى جانب ترتيبات خاصة لدخول السكان إلى المنطقة.

وأشار إلى أن الروايات المتداولة تحدثت عن إخضاع الراغبين في دخول المدينة لإجراءات فحص، وعن تقديمها بوصفها نموذجًا مختلفًا عن المناطق التي تصنفها إسرائيل ضمن المناطق الصفراء أو الحمراء.

لكن هذه التصورات، وفق إبراهيم، لم تترافق حتى الآن مع إعلان متكامل يوضح طبيعة المشروع، والجهات المسؤولة عن إدارته وتنفيذه، والجدول الزمني لإنشائه، والضمانات المتعلقة بحقوق السكان وحرية حركتهم.

وأضاف أن كثرة الحديث عن المدينة الإنسانية لا تعني بالضرورة وجود نوايا جادة أو جاهزية فعلية لبدء عملية التعافي والإعمار، ما دام التنفيذ والتمويل والتفاصيل العملية غير واضحة.

وعود مجلس السلام وتمويل التعافي

وفي ما يتعلق بجهود مجلس السلام، أشار إبراهيم إلى أحاديث سابقة تناولت عقد لقاءات وورش عمل على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتوفير نحو 2.5 مليار دولار لبدء عملية التعافي في قطاع غزة.

لكنه أوضح أن تفاصيل هذا التمويل، والجهات التي ستديره، وآليات صرفه، والمشروعات التي سيشملها، لا تزال غير واضحة بما يكفي لتأكيد انطلاق عملية تعافٍ فعلية.

ولفت إلى أن الحديث عن إعادة الإعمار لا يزال يصطدم بأسئلة أساسية تتعلق بموعد البدء، وحجم الأموال المتاحة، والجهات التي ستتولى تنفيذ المشروعات، في ظل تقديرات تشير إلى أن إعادة إعمار القطاع بالكامل قد تحتاج إلى نحو 71 مليار دولار، وإلى سنوات طويلة من العمل.

وشدد على أن الإعلان عن مبالغ مالية أو عقد اجتماعات لا يكفي لإثبات بدء الإعمار، ما لم تُترجم هذه التصريحات إلى خطط معلنة ومشروعات محددة وإجراءات تنفيذية على الأرض.

«ريفييرا غزة» ومشروعات لم تتحول إلى واقع

وتناول إبراهيم التصورات التي طُرحت سابقًا بشأن مستقبل القطاع، ومن بينها الحديث عن تحويل غزة إلى منطقة اقتصادية تستقطب الاستثمارات الدولية، وهي أفكار ارتبطت بتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر حول مشروع «ريفييرا غزة».

كما أثارت تصريحات سابقة بشأن تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين ضمن تصورات إعادة تشكيل القطاع وإعماره مخاوف بشأن مستقبل السكان وحقوقهم في البقاء على أرضهم.

وأشار إبراهيم إلى أن هذه الطروحات لم تتحول، حتى الآن، إلى مشروعات متكاملة منفذة على الأرض، في حين لا يزال نحو مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، بين الخيام المتهالكة والمباني المتضررة وما تبقى من منازلهم.

وأضاف أن الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية والأراضي والمنشآت الحيوية يجعل احتياجات سكان القطاع أكبر بكثير من مجرد إقامة مساكن مؤقتة، إذ تتطلب إعادة بناء مقومات الحياة الأساسية وتوفير الخدمات الضرورية وتهيئة ظروف معيشية آمنة.

إعادة الإعمار بين التصريحات والواقع الإنساني

وخلص إبراهيم إلى أن الأنباء المتعلقة بدخول العمال إلى رفح، وتسوية الأراضي، وإنشاء المدينة الإنسانية، لا تزال بحاجة إلى تأكيدات رسمية ومعلومات موثقة بشأن الجهات المنفذة والتمويل والجدول الزمني.

وفي ظل استمرار النزوح والدمار، تبقى الأولوية في الانتقال من التصريحات والمقترحات إلى خطوات ملموسة تلبي احتياجات الفلسطينيين في قطاع غزة، وتوفر لهم المأوى والخدمات الأساسية، وتفتح الطريق أمام عملية تعافٍ وإعادة إعمار واضحة النبض الوطنلم.