في تجربة أدبية تسعى إلى تقديم السردية الفلسطينية بقالب نبض الوطنصر، تجمع رواية «مستحيل. il» للروائي يوسف الشايب بين الذاكرة الفلسطينية وتفاصيل الحياة اليومية والرموز المرتبطة باللجوء، مستفيدة من عناصر الخيال المستقبلي وأسلوب السايبر بانك، في محاولة للوصول إلى أجيال جديدة بلغة سردية مختلفة.
وخلال حديثه لشبكة رايــة الإعلامية، تناولت الرواية الصادرة حديثاً، أوضح الشايب أن العمل ينطلق من مخيم قلنديا في فلسطين، حيث يحفر رجل عجوز حفرة صغيرة ويملؤها بالماء تدريجياً، قبل أن تتحول الحفرة إلى بحر، وتتحول سمكة ذهبية إلى أسطورة، ثم إلى شبح وأرشيف من الحكايات المتناقضة.
واستعان الروائي بوصف الناشر على الغلاف الخلفي لتوضيح فكرة العمل، الذي لا يقتصر، بحسب هذا الوصف، على الأشياء ذاتها، بل يتناول الصور التي يصنعها الإنسان منها كي يحتمل واقعه، والرموز التي تتضخم حتى تبتلع أصحابها، والذاكرة حين تتحول من مرآة إلى سلاح، ثم إلى عالم كامل.
وقال الشايب إن رواية «مستحيل. il» تتناول بحراً غير موجود وسمكة لا تدرك أنها أصبحت رمزاً، في عالم يواصل الدوران داخل بركته الصغيرة، وكأن الخروج منها هو المستحيل الوحيد.
من الواقع الفلسطيني إلى عالم السايبر بانك
وأوضح الروائي الشايب أن الرواية تستند إلى تفاصيل صلبة من الواقع الفلسطيني، لكنها تتجه في الوقت نفسه نحو المستقبل، وهو ما يفسر اعتماده أسلوب السايبر بانك، الذي يمزج عناصر الواقع بالتكنولوجيا والتصورات المستقبلية.
وأشار إلى أن الأحداث تمتد زمنياً بين عامي 2006 و2009، فيما تتجاوز الشخصيات في العمل مفهوم الشخصية الروائية التقليدية، لتصبح حاملة لدلالات ورموز ترتبط بالذاكرة والهوية والتجربة الفلسطينية.
وتبرز شخصية أبو حسن، وهو لاجئ فلسطيني يقرر في بداية الرواية حفر حفرة في المخيم وملأها بماء جلبه من بلاده الأصلية، ثم يأتي بسمكة ذهبية، في محاولة لاستعادة البحر الذي فقده.
وتحمل هذه الفكرة، وفق السياق الذي عرضه الروائي، دلالات الحنين إلى المكان الأصلي، والسعي إلى استعادة ما فقده اللاجئ، حتى لو لم يكن ذلك ممكناً بالمعنى المادي.
وأكد الشايب أنه لا يفضل الإفراط في الحديث عن التأويلات الجاهزة للعمل، انطلاقاً من اعتقاده أن الرواية بعد نشرها تصبح مفتوحة أمام قراءات متعددة، وأن معناها لا يظل محصوراً في نية الكاتب وحدها.
النقاد: سردية فلسطينية أصيلة بأسلوب جديد
وتوقف الشايب عند عدد من القراءات النقدية التي تناولت الرواية، مشيراً إلى أن بروفيسور كنعان العيسى، أستاذ الأدبيات الرقمية والجماليات الرقمية في نيوجيرسي، وصف العمل بأنه يؤسس لما سماه «سايبر بانك فلسطيني».
كما أشار إلى قراءة الأكاديمي والناقد الفلسطيني الدكتور مفيد عرقوب، الذي تناول البلاغة والتأثير في الرواية، ووصفها بأنها تجربة جديدة في السرد الفلسطيني من حيث الشكل والمضمون.
ولفت كذلك إلى قراءة الكاتبة والناقدة الفلسطينية الإيرلندية يسرى حمدان، التي ركزت على الجانب السينمائي والمشهدية البصرية في العمل.
وبحسب الشايب، فإن القاسم المشترك بين هذه القراءات يتمثل في أن الرواية لا تتنازل عن أصالة السردية الفلسطينية، لكنها تقدمها بأسلوب نبض الوطنصر ومختلف، يستفيد من الأدوات الرقمية والخيال والرموز.
وأضاف أن العمل يتضمن جوانب متعددة تتصل بالحنين إلى الماضي، والذاكرة، وخصوصية مخيم قلنديا، الذي لا يمثل مجرد مساحة جغرافية، بل يحمل دلالات اللجوء المستمر والصمود، فضلاً عن موقعه الذي يفصل الضفة الغربية عن القدس، ويجعل منه نقطة تقاطع بين الجغرافيا والسياسة والهوية.
تفاصيل هامشية تتحول إلى عناصر مركزية
وفي رده على القراءات التي رأت أن الرواية تمنح تفاصيل صغيرة في الحياة اليومية أهمية مركزية، أكد الروائي يوسف الشايب أن التفاصيل هي جوهر العمل الأدبي، وأن الأشياء التي تبدو هامشية قد تحمل في داخلها نبض الوطنني أعمق مما يظهر للوهلة الأولى.
وأشار إلى أن بعض القراءات توقفت عند تفاصيل مثل هاتف نورماندي القديم ومفتاح العودة، معتبراً أن هذه العناصر لا تأتي لمجرد استكمال المشهد، بل تكتسب دلالاتها من طريقة توظيفها داخل البناء الروائي.
وأوضح أن خلفيته في عالم السينما دفعته إلى التفكير في تقديم الرواية للجمهور من خلال مقطع ترويجي بأسلوب «التريلر»، وهي تقنية ترتبط عادة بالترويج للأفلام، بهدف تقديم عالم الرواية بصرياً وإثارة فضول القراء.
ورأى أن المشاهدة البصرية قد تساعد الجمهور على فهم بعض طبقات العمل، وأن الجمع بين النص والصورة يتيح مدخلاً إضافياً إلى الرموز والتفاصيل التي تتضمنها الرواية.
«مستحيل دوت إيه آي» ومحاولة مخاطبة جيل زد
وأكد الشايب أن الرواية مهداه إلى جيل زد، الذي يرى أنه قادر على التفاعل مع أساليب السرد النبض الوطنصرة والرقمية، مشيراً إلى أن هذا التوجه كان حاضراً في طريقة بناء العمل وتقديمه.
واستشهد بتجربة ابنه، وهو خريج حديث في مجال الأمن السيبراني، اعتاد قراءة الكتب باللغة الإنجليزية، لكنه أبدى اهتماماً بالرواية بعد الاطلاع عليها، وقال إنه شعر بأنها تخاطب جيله، لا لمجرد أن مؤلفها والده، بل بسبب الطريقة التي تقدم بها موضوعاتها.
وأضاف أن ابنه اقتنى الرواية خلال إطلاقها في معرض عمان الدولي للكتاب، برفقة عدد من أصدقائه، معتبراً أن هذا التفاعل يمثل مؤشراً على إمكانية وصول العمل إلى قراء شباب قد لا يجدون أنفسهم بالضرورة في القوالب الروائية التقليدية.
وشدد الشايب على أهمية تقديم القضية الفلسطينية للأجيال الجديدة بأساليب قادرة على التفاعل مع لغتها واهتماماتها، من دون التفريط في مضمونها أو خصوصيتها.
توزيع محلي وخطط للترجمة إلى لغات أخرى
وفي ما يتعلق بتوافر الرواية للقراء، قال الشايب إنها متاحة حالياً في عدد من المكتبات الفلسطينية، من بينها مكتبات الشروق والرعاة والجعبة في رام الله، ومكتبة التنوين في بيت لحم، ودار الشامل في نابلس، ومكتبة أنبض الوطنر في عكا.
وأضاف أن هناك خططاً لتوسيع توزيعها لتصل إلى مختلف محافظات الوطن، معرباً عن أمله في أن تتاح للقراء في مختلف المناطق الفلسطينية.
أما على صعيد الترجمة، فأوضح أن الرواية لا تزال حديثة الإصدار، وأن هناك طموحاً وخططاً لترجمتها إلى لغات عدة، في مقدمتها الإنجليزية، نظراً إلى انتشارها الواسع، إلى جانب خطة قريبة للعمل على ترجمتها إلى الإيطالية.
وأشار إلى أن ارتباط دار النشر، «منشورات المتوسط»، بإيطاليا يتيح فرصة للعمل على هذا المسار، معرباً عن أمله في أن تتوسع عملية الترجمة والنشر مستقبلاً، بما يسمح بوصول الرواية إلى قراء خارج العالم العربي.
تجربة مفتوحة على قراءات مختلفة
وفي ختام حديثه، تطرق الروائي يوسف الشايب إلى اختلاف استجابة القراء للرواية، مستشهداً بما قاله الروائي عاطف أبو سيف خلال إطلاقها في متحف محمود درويش، من أن بعض القراء قد يتوقفون عن القراءة بعد دقائق إذا شعروا بصعوبة العمل، فيما قد يواصل آخرون قراءته دفعة واحدة.
ورأى أن ذلك يعود إلى ذائقة القارئ وطريقة تفاعله مع النص، مؤكداً أمله في أن يكون قد نجح في تقديم السردية الفلسطينية بأسلوب جديد، يجمع بين أصالة التجربة المحلية والانفتاح على الأدوات السردية النبض الوطنصرة.
وتقدم «مستحيل. il»، وفق التصور الذي عرضه مؤلفها، تجربة تسعى إلى إعادة النظر في العلاقة بين المكان والذاكرة والرمز، عبر مخيم قلنديا بوصفه فضاءً للجوء والصمود، وعبر تفاصيل صغيرة تتحول إلى مفاتيح لفهم عالم فلسطيني أوسع، يواصل البحث عن البحر المفقود وإمكانية العودة.