يواجه المركز الطبي في قرية قريوت جنوب نابلس تحديات متزايدة تهدد قدرته على مواصلة تقديم الخدمات الصحية والإسعافية للأهالي، في ظل تصاعد الاعتداءات الاستيطانية والإصابات شبه اليومية، ونقص المستلزمات الطبية الاستهلاكية، وتراجع قدرة المواطنين على تحمل تكاليف العلاج، إلى جانب صعوبات الحركة الناجمة عن إغلاق الطرق المحيطة بالقرية والقرى المجاورة.

وقال ضابط الإسعاف ومسؤول المركز الطبي في قريوت، أدهم الجوهري، إن المركز تأسس بمبادرة محلية عام 2015، بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، بهدف توفير خدمات الإسعاف والرعاية الطبية الأولية لسكان القرية والمناطق المجاورة، خصوصاً خلال فترات إغلاق الطرق ووقوع الإصابات الناجمة عن الاعتداءات والاستهدافات الأمنية.

وأوضح الجوهري، في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن المبادرة بدأت بإمكانات محدودة وفي مقر صغير، قبل أن تتطور بجهود القائمين عليها ومساهمة أهالي القرية، لتشمل مختبراً مصغراً وعيادة نسائية، إلى جانب خدمات الإسعاف والطوارئ، بما أسهم في تخفيف نبض الوطنناة المواطنين الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى المراكز الصحية والمستشفيات خارج المنطقة.

وأضاف أن المركز يقدم خدماته لسكان قريوت والقرى المجاورة، إلا أن الأوضاع خلال السنوات الثلاث الأخيرة فرضت أعباء إضافية على قدرته التشغيلية، نتيجة تزايد الإصابات الناجمة عن الاعتداءات الاستيطانية، بالتزامن مع تفاقم الظروف الاقتصادية التي جعلت كثيراً من المواطنين غير قادرين على دفع تكاليف العلاج.

إصابات شبه يومية تستنزف إمكانات المركز

وأشار الجوهري إلى أن الاعتداءات والإصابات باتت تتكرر بصورة شبه يومية، ما أدى إلى استنزاف الإمكانات المتاحة للمركز، موضحاً أن الطواقم الإسعافية تضطر في كثير من الأحيان إلى التعامل مع الحالات الطارئة ونقل المصابين إلى المستشفيات، رغم محدودية الموارد المتوفرة.

وأكد أن المركز يحرص على تقديم الإسعافات اللازمة للمصابين جراء الاعتداءات دون مقابل، من خلال فريق إسعاف مدرّب يعمل في المنطقة، مشيراً إلى وجود طاقم تمريض يعمل على مدار الساعة، إلى جانب طبيب مناوب خلال الفترة المسائية، في ظل محدودية الإمكانات التي تحول دون تشغيل المركز بطاقته الكاملة طوال اليوم.

ولفت إلى أن الأطباء في قريوت والقرى المجاورة، ومنها قبلان وجالود ومناطق أخرى جنوب نابلس، يحاولون تقديم المساعدة وفق الإمكانات المتاحة، إلا أن استمرار الاعتماد على الجهود التطوعية والمكافآت المحدودة لا يوفر استقراراً كافياً للخدمات الطبية.

وأضاف أن المركز وصل في بعض الفترات إلى مرحلة بات فيها عاجزاً عن تغطية احتياجاته الأساسية، حتى إن القائمين عليه فكروا في وقف العمل نتيجة الضغوط المالية وتزايد الطلب على الخدمات.

إغلاق الطرق يضاعف نبض الوطنناة المرضى والمصابين

وأوضح الجوهري أن موقع قريوت في جنوب نابلس، وما تتعرض له المنطقة من اعتداءات استيطانية وإغلاقات للطرق، يجعلان وجود المركز الطبي ضرورة ملحة، خصوصاً أن الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية خارج المنطقة قد يصبح صعباً خلال الأحداث الميدانية.

وأشار إلى أن إغلاق الطرق المؤدية إلى قريوت وجالود وتلفيت وقصرة يعرقل حركة المواطنين والطواقم الطبية، ويؤخر نقل الحالات التي تحتاج إلى تدخلات متخصصة أو علاج في المستشفيات.

وأضاف أن الطواقم الإسعافية تواجه بدورها صعوبات في التنقل خلال الأحداث، في ظل المخاطر التي تتعرض لها أثناء أداء عملها، الأمر الذي يزيد أهمية توفير الحد الأدنى من التجهيزات الطبية داخل القرية للتعامل مع الحالات الطارئة قبل نقلها إلى المستشفيات.

وبيّن أن المركز يعلن حالة الطوارئ خلال موسم قطف الزيتون، الذي يشهد تصاعداً في الاعتداءات والإصابات، ويواصل استعداداته طوال الموسم للتعامل مع الحالات المتوقعة وتقديم الإسعافات اللازمة للمصابين.

نقص المستهلكات الطبية يهدد استمرارية الخدمات

وفيما يتعلق بالاحتياجات الأساسية، أكد الجوهري أن الأولوية تتمثل في توفير المستهلكات الطبية المستخدمة يومياً في قسم الطوارئ، إلى جانب بعض الأجهزة الطبية الضرورية، مشدداً على أن حجم الأحداث والإصابات في المنطقة يفوق أحياناً حجم المساعدات التي تصل إلى المركز.

وأوضح أن المركز يحتاج إلى مستلزمات الإسعاف والطوارئ، بما فيها الإبر والأدوية المستخدمة في الحالات الإسعافية وفق الأصول الطبية، وغيرها من المواد الاستهلاكية الضرورية لعمل الطبيب والطاقم التمريضي.

وأشار إلى أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تقدم الدعم للمركز وفق إمكاناتها، بما في ذلك توفير بعض المواد الإسعافية والأدوية المخصصة للطوارئ، مؤكداً أن هذه المساعدات أسهمت في استمرار تقديم الخدمات، لكنه أوضح أن الكميات المتاحة لا تكفي دائماً لمواجهة تزايد الإصابات والاحتياجات.

وأضاف أن المركز لم يستكمل حتى الآن التواصل الرسمي مع وزارة الصحة الفلسطينية بشأن احتياجاته، رغم طرح الموضوع بصورة أولية خلال أحد اجتماعات الطوارئ، لافتاً إلى أن هناك حاجة إلى توضيح الاحتياجات الفعلية والعمل على توفير مصادر دعم أكثر استدامة.

وبيّن أن القائمين على المركز تواصلوا مع عدد من المؤسسات والمبادرات الأهلية، وأن بعض الجهات قدمت المساعدة، إلا أن استمرار الضغط على الخدمات الصحية يتطلب توسيع الشراكات مع المؤسسات الصحية والجهات الداعمة.

عجز مالي وصعوبة في تغطية تكاليف التشغيل

ولفت الجوهري إلى أن التحديات لا تقتصر على المستلزمات الطبية، بل تشمل أيضاً التكاليف التشغيلية وأجور الأطباء والمكافآت التي يحصل عليها العاملون، في ظل محدودية الإيرادات وتراجع قدرة السكان على دفع تكاليف العلاج.

وأوضح أن المركز يحتاج إلى دعم مالي تشغيلي يساعده على الاستمرار خلال الفترة المقبلة، ويتيح زيادة ساعات الدوام بما يتناسب مع احتياجات المواطنين، مؤكداً أن توفير هذا الدعم بات ضرورة ملحة بعد سنوات من الضغوط المتراكمة.

وأشار إلى أن المركز يحاول مراعاة الظروف الاقتصادية للأهالي، إذ يضطر في بعض الحالات إلى الاكتفاء بمبالغ رمزية مقابل العلاج، وقد لا تتجاوز الزيادة على تكلفة العلاج الفعلية خمسة أو عشرة شواكل، رغم أن بعض الحالات قد تكلف المركز أكثر من 30 شيكلاً.

وأكد أن الطواقم الطبية تجد نفسها أمام مسؤولية إنسانية تفرض عليها علاج المرضى ومساعدة المصابين، حتى عندما لا يكونون قادرين على دفع التكاليف، مشدداً على أن الهدف الأساسي هو ضمان حصول السكان على الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها.

عيادة نسائية تخفف نبض الوطنناة النساء في القرى المجاورة

وفي إطار تطوير الخدمات، أوضح الجوهري أن المركز تمكن من توفير عيادة نسائية ساعدت في تخفيف الأعباء عن النساء في قريوت والمناطق المحيطة، خصوصاً في ظل صعوبة الوصول إلى مدينة نابلس خلال فترات إغلاق الطرق.

وأضاف أن توفير الخدمة داخل القرية أسهم في تقليل تكاليف التنقل والوقت والجهد على النساء، إلا أن استكمال خدمات العيادة يتطلب توفير جهاز لتصوير ومتابعة الجنين، يُعرف باسم جهاز تخطيط قلب الجنين (CTG)، بما يتيح إجراء الفحوصات اللازمة محلياً وتخفيف الحاجة إلى التوجه إلى المراكز الصحية البعيدة.

وأشار إلى وجود جهود لجمع التبرعات وتأمين الجهاز من خلال مبادرات شبابية، معرباً عن أمله في استكمال توفيره خلال الفترة المقبلة.

دعوات إلى تدخل المؤسسات الصحية لدعم المركز

وشدد الجوهري على أن استمرار المركز في تقديم خدماته يتطلب تدخلاً عاجلاً لتوفير المستهلكات الطبية والأجهزة اللازمة، إلى جانب دعم تكاليف التشغيل، بما يضمن عدم توقف الخدمات التي يعتمد عليها سكان قريوت والقرى المجاورة.

وأشار إلى أن المركز تواصل في فترات سابقة مع محافظة نابلس، التي قدمت ما أمكنها من مساعدة، إلا أن حجم الاحتياجات المتزايدة يتطلب حلولاً أكثر استدامة وشراكات مع المؤسسات الصحية والأهلية.

من جهته، أكد مقدم البرنامج أهمية إيصال احتياجات المركز إلى المؤسسات المعنية والجهات الداعمة، والعمل على بناء شراكات مع المؤسسات التي تنفذ برامج لدعم صمود السكان في المناطق المهددة، بما يسهم في تعزيز الخدمات الصحية والإسعافية في جنوب نابلس.

ويأتي ذلك في ظل أهمية المراكز الطبية المحلية في المناطق التي تتعرض لإغلاقات متكررة واعتداءات ميدانية، إذ تشكل نقطة استجابة أولية للحالات الطارئة، وتساعد على تقديم الرعاية للمصابين والمرضى عندما يتعذر الوصول سريعاً إلى المستشفيات.