يكافح المواطنون يومياً في قطاع غزة لتأمين أبسط مقومات الحياة، وسط انهيار اقتصادي وارتفاع حاد في أسعار السلع

ملخّص بالذكاء الاصطناعي. تحقّق من السياق في النص الأصلي.

غزة – أحلام الفالح  - يكافح المواطنون يومياً في قطاع غزة لتأمين أبسط مقومات الحياة، وسط انهيار اقتصادي وارتفاع حاد في أسعار السلع والخدمات، ما يدفع العائلات إلى الانتظار ساعات طويلة للحصول على مساعدات لا تلبي، في كثير من الأحيان، الحد الأدنى من احتياجاتها. 

لم تقتصر نبض الوطنناة المواطنة ماجدة الزهارنة (60 عاماً) على فقدان منزلها في حي النصر غرب مدينة غزة، والعيش داخل خيمة من القماش المهترئ؛ فلا معيل ولا سند لها سوى ابنتها كوكب (37 عاماً)، والخيمة، ومساعدات لا تكاد تلبي الاحتياجات الأساسية للعائلة. 

ويعيش سكان قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ظروفاً قاسية لم تترك لهم سوى القليل من مقومات الحياة. وتتزايد احتياجاتهم يوماً بعد يوم، فيما تبقى عائلات كثيرة عاجزة عن تأمين ما تحتاجه من غذاء وملابس ومواد أساسية تحميها من قسوة الواقع، لتتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين ما يصلها من مساعدات وما تحتاجه فعلياً. 

فقدت الزهارنة منزلها في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، واضطرت إلى اللجوء إلى مخيم السلام في حي النصر بمدينة غزة. تقول: "أهل غزة يحتاجون لكل شيء بعدما فقدوا كل ما يملكون. ما يصلنا فتات. لا يوجد أحد يساعدني في تلبية احتياجاتي. أعاني من إصابة قديمة في منطقة البطن، وابنتي التي تبلغ 37 عاماً تعاني من مشاكل صحية، أما زوجي فهو مريض بالسرطان، وقد خرج في بداية الحرب إلى مصر. ونحن لا نستطيع العمل لنعيل أنفسنا". 

وتكمل: "تصلنا مساعدة برنامج الأغذية العالمي (WFP) بشكل دوري، وهي مليئة بالمعلبات والعدس، لكنها لا تلبي احتياجات أجسادنا المهترئة بشيء. نحن مرضى، ومررنا بمجاعة. هناك مساعدات أفضل من العدس والأرز اللذين تكدسا في خيمنا، مثل مساعدات الفارس الشهم وكابونة اللجنة القطرية، لكنها لا تصلنا بشكل دائم، رغم أنها تلبي القليل من احتياجاتنا، لأنها تتنوع بين الشاي والمربى والسيرج والسكر والطحينة وزيت الزيتون والجبنة". 

وتضيف: "الأنبض الوطنق غارقة بالبضائع، لكننا لا نستطيع شراءها. يجب توزيع المساعدات بشكل دوري، وأن تتنوع بين الفواكه والخضراوات واللحوم لتقوية أجسادنا". 

وبحسب أحدث إحصائية نشرها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، دخل إلى القطاع 58.6 ألف شاحنة مساعدات فقط من أصل 165 ألف شاحنة كان يفترض دخولها حتى 14 يوليو/تموز 2026، بنسبة لم تتجاوز 35%. 

لم تكن المساعدة التي وصلت إلى عائلة أبو ريالة، المكونة من ثمانية أفراد، تشبه ما تحتاجه الأسرة. فتحت العائلة الطرد على أمل أن تجد فيه ما يسد جزءاً من احتياجاتها، لكنها وجدته محدوداً ورديء الجودة، ولا يكفي سوى لأيام قليلة. وتضمن الطرد كيلوغراماً من الأرز المصري، وعلبة صلصة بوزن 250 غراماً، وعلبتين من جبنة الفيتا، وكيلوغراماً من السكر، وكيلوغراماً من الملح، وزجاجة سيرج، وكيلوغراماً من الطحين. 

تقول المواطنة أم سعيد أبو ريالة: "نحن لا نطلب الكثير، وإنما نريد مساعدة تحترم احتياجاتنا، وتمنح عائلتنا ما يكفيها من الغذاء والمواد الأساسية". 

وبنبرة يختلط فيها التعب بالرجاء، تتابع: "زوجي أصيب بطلق ناري خلال الحرب، ويعاني من مضاعفات في منطقة البطن. كان يعمل في البناء قبل الحرب، لكنه بعد إصابته لم يعد قادراً على العمل. نحن بحاجة إلى مساعدة تلبي احتياجات الأسرة من الخضراوات والفواكه واللحوم والملابس والأغطية، حتى نستطيع استخدامها، وليس مجرد طرد يصل إلينا وينتهي من دون أن يلبي احتياجاتنا. نحن لا نحتاج إلى البقوليات فقط، وهذا ما يصلنا غالباً". 

وتروي: "تكدس العدس والطحين والمعلبات. نخاف من القوارض التي تملأ المكان، فقد أتلفت بعض الطحين، بينما تلف بعضه الآخر بسبب حرارة الخيمة، واضطررنا إلى التخلص منه وإتلافه. إحنا طالعين من مجاعة وأطفالنا محتاجين غذاء، واللي بطلبوه مش قادرين نجيبه. بستخسر في نفسي البراهم الطبية لعلاج مرض جلدي إكزيما يسبب حكة واسمراراً في الوجه واليدين، في محاولة للتوفير، رغم تفاقم حالتي الصحية". 

يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن نسبة البطالة ارتفعت خلال الحرب، بعد تدمير القطاعات الاقتصادية، من 45% إلى 83%، ما جعل المساعدات في قطاع غزة نهج حياة للمواطنين، رغم عدم وصولها بالكميات المطلوبة وفق البروتوكول الإغاثي، والمقدرة بـ500 إلى 600 شاحنة يومياً. ويقول إن إسرائيل تسمح بمرور متوسط 250 شاحنة يومياً، كانت في البداية تتوزع بنسبة 70% مساعدات و30% شاحنات تجارية، لكن الحصار، وفق قوله، تشدد خلال الشهور الأخيرة، بحيث أصبح العدد نفسه من الشاحنات يدخل لغزة لكن بشكل معكوس أي بنسبة 30% مساعدات و70% تجارية. 

وأضاف أبو قمر: "ومع اعتماد المواطنين على المساعدات نتيجة انخفاض الدخل وتراجع القدرة الشرائية، لا تصل المساعدات بالشكل المطلوب، أو تصل في بعض الأحيان وفق سياسة إغراق لبعض السلع، مثل العدس والمعلبات، مقابل منع إدخال سلع غذائية أو صحية أو مستلزمات إيواء أخرى بكميات كافية. وقد أدى ذلك إلى فجوة كبيرة بين ما يحتاجه المواطن وما يستلمه فعلياً من المساعدات". 

وشدد على ضرورة أن تتضمن المساعدات الكثير من احتياجات المواطنين المهمة، مثل البيض واللحوم والفواكه والخضراوات والأدوية ومستلزمات الإيواء والخيام. وقال إن الاحتلال يسمح بدخول سلع بكميات ونوعيات محددة، فيما يعجز المواطن عن شرائها بسبب غلاء أسعارها بسبب التنسيقات مرتفعة التكلفة، الأمر الذي رفع نسبة انعدام الأمن الغذائي في القطاع إلى نسبة 82%. 

المواطنة سناء مطر (52 عاماً) تعيش هي الأخرى تحت وطأة الاحتياج. يعاني زوجها من مرض السكري المزمن، وقد بُترت بعض أصابع قدميه. تقول بألم: "الخيمة غير صالحة، ولا أستطيع ترميمها. نفتقر إلى توزيع الخيام، ولا يوجد لدينا دخل. نحتاج إلى طعام مفيد يعوضنا عن المجاعة، ومواد تنظيف خاصة للذين يعانون من الأمراض، لكن المساعدات غالباً ما توزع للعائلات الأكثر عدداً. أبيع مساعدات غذائية أحتاج إلى بعضها حتى أستطيع شراء علاج لزوجي". 

ولا تقتصر الفجوة على المساعدات العينية، إذ لا تصل المساعدات النقدية أيضاً إلى جميع الأسر. ووفق برنامج الأغذية العالمي، استفاد نحو 700 ألف شخص من المساعدات النقدية متعددة الأغراض في مايو/أيار 2026، قبل أن يخفض البرنامج في يوليو/تموز قيمة المساعدة النقدية بنسبة 40% لنحو 375 ألف شخص بسبب نقص التمويل. ويشير ذلك إلى أن الاستفادة من الدعم النقدي تظل مرتبطة بالفئات المستهدفة والتمويل المتاح، فيما تبقى أسر أخرى خارج نطاق هذه المساعدة. 

وتكمل مطر: "نذهب لاستلام السلة الغذائية وندفع مواصلات تبلغ عشرين شيكلاً لحاجتنا إليها، ثم نجد أن محتوياتها متكدسة في الأنبض الوطنق وزهيدة الثمن، ما يجعل الأمر مرهقاً في توفير تكلفة المواصلات، أو بيع بعض محتوياتها لتعويض أجرة الطريق وتوفير العلاج. لذلك أمشي مسافات طويلة لتوفير الفتات لي ولزوجي، إضافة إلى حرماننا من المساعدات المالية لعدم توفر هاتف معنا". 

احتياجات ملحة ومساعدات شحيحة 

تؤكد مديرة الإعلام والعلاقات العامة في وزارة التنمية في غزة، عزيزة الكحلوت، أن عدم وصول المساعدات إلى جميع الأسر المحتاجة لا يعني عدم استحقاقها، بل يعكس وجود فجوة كبيرة بين اتساع الاحتياجات الإنسانية من جهة، والقدرة على الوصول والتمويل وتوفير المساعدات من جهة أخرى. 

وتوضح أن هذه الفجوة تعود إلى الحصار والقيود المفروضة على إدخال المساعدات، وقد اتسعت بين الاحتياجات الفعلية للأسر في قطاع غزة وبين نوع المساعدات التي تصل إليها؛ فالمشكلة لا تقتصر على نقص الكمية، وإنما تشمل أحياناً عدم تطابق المساعدة مع طبيعة الاحتياج، نتيجة تغير الاحتياجات بسرعة، واختلاف الاحتياجات داخل الأسرة نفسها، وقيود الوصول، وتعدد المؤسسات الإغاثية. 

وأضافت الكحلوت أن الوزارة تحدد الفئات الأكثر احتياجاً من خلال المنظومة الوطنية لتحديث بيانات المواطنين، التي عملت عليها الوزارة منذ اليوم الأول للحرب، وسُجلت عليها حتى اللحظة 512 ألف أسرة في قطاع غزة. 

وقالت إنه لا يمكن استبعاد أي أسر في غزة من هذه المساعدات بسبب الحرب التي دمرت كل شيء يملكونه، لكن هناك نبض الوطنيير تعتمدها الوزارة، من بينها الأشد فقراً، ووجود شخص ذي إعاقة، وحجم الأسرة، والتقييم الاجتماعي والميداني. 

وأشارت الكحلوت إلى أن وزارة التنمية دعت مراراً إلى الاعتماد على قاعدة بيانات موحدة، بسبب وصول العديد من الشكاوى المتعلقة بعدم وصول المساعدة أو الاستبعاد منها، وتكرار المساعدات لبعض الأسر، وعدم عدالة التوزيع، وعدم ملاءمة المساعدة لاحتياجات الأسرة. 

وترى أن انعدام التنسيق وعدم الاعتماد على قاعدة بيانات موحدة يقفان حاجزاً أمام العدالة والشفافية في التوزيع، مطالبة بزيادة واستمرار دخول المساعدات دون قيود، وتوسيع المساعدات النقدية والغذائية، وتحسين التنسيق وتحديث البيانات، إلى جانب دعم قطاع الحماية الاجتماعية والصحية وسبل عيش الأسر، من خلال استجابة متكاملة تتناسب مع الاحتياجات الفعلية للأسر، وتساعدها على استعادة مصادر دخلها وتقليل اعتمادها على الإغاثة. 

وبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الصادر في 11 سبتمبر/أيلول 2026، غطت الحصة الغذائية المقدمة لنحو 51 ألف أسرة خلال الفترة من 1 إلى 7 سبتمبر/أيلول قرابة 50% من الحد الأدنى للاحتياجات اليومية من السعرات الحرارية. 

وتشير هذه النسبة إلى كفاية تلك الحصة الغذائية تحديداً، ولا تعكس إجمالي المساعدات الغذائية التي وصلت إلى قطاع غزة، كما أن تأمين الحد الأدنى من السعرات الحرارية لا يعني بالضرورة توفير تغذية متوازنة ومتنوعة تلبي الاحتياجات الغذائية للأسر. 

ويؤكد أخصائي التغذية د. هشام حسونة أن المساعدات التي تصل إلى القطاع لا تكفي المواطنين، موضحاً أن ما يصل يتأثر بقيود الدخول والتمويل والمخزون والنقل، والتأخير في مراجعة احتياجات الأسر، واستمرار مطالبة المواطنين بالتسجيل وتحديث بياناتهم للحصول على المساعدات، رغم توفر قواعد بيانات أكثر شمولاً. 

ويشدد حسونة على ضرورة أن تكون الأسرة شريكاً فعلياً في برامج الإغاثة، من خلال أن يكون لها الحق في تحديد أولوياتها وظروفها وقدرتها على استخدام المساعدة، بما يساهم في تحسين الاستجابة. "فصلاحية المادة للاستهلاك، لا تعني ملاءمتها لكل أسرة وفي كل وقت؛ إذ إن وصول المساعدة في وقت متأخر قد يؤدي إلى إتلافها، أو يجعل استخدامها متعذراً في ظل غياب الماء والوقود والتخزين المناسب". 

ويضيف أن بيع جزء من المساعدة لا يثبت أن الأسرة غير محتاجة، فقد تضطر إلى ذلك لشراء دواء أو ماء، وهو ما يزيد الفجوة في توزيع المساعدات. 

ويشير حسونة إلى أن السلة الموحدة قد تكون مفيدة في سرعة الاستجابة الطارئة، لكن استمرارها يحتاج إلى مراجعة، مع توافر السلع وإمكانية الوصول إليها. ووفق ما تابعته اليونيسف في نشرة يونيو/حزيران 2026، فضّل 92% من المستجيبين من الأسر المستفيدة النقد غير المقيّد، لكن فائدته تتوقف على الأسعار وقيمة التحويل وعمولات السحب وسهولة الدفع. 

فالمال، بحسب حسونة، لا يعوض سلعة مفقودة، ولذلك فإن الأنسب هو اعتماد مرونة تجمع بين النقد والمواد والخدمات، بحسب الظروف والاحتياجات. 

وأشار إلى أن طوابير استلام المساعدات والكابونات تحولت إلى مشهد مرهق، إذ ينتظر الناس ساعات للحصول على مواد قد لا يحتاجونها، ما يدفع بعضهم إلى بيعها بأقل من قيمتها لتوفير ثمن الدواء أو المواصلات أو احتياجات أخرى. 

ملاحظة : تم اعداد هذا التقرير ، ضمن مشروع ( تمكين الإعلام المهني والحوار المجتمعي في غزة ) الذي تنفذه مؤسسة بيت الصحافة ، والممول من الاتحاد الأوروبي، وبتنفيذ من قبل Expertise France وCFI. إذ تعبّر الآراء الواردة عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي أو Expertise France أو CFI